التسميات

السبت، 18 يونيو 2011

البيان الشعري الخامس

البيان الشعري الخامس
 
النص المفتوح*
(سينوغرافيا الفضاء الشعري)
خزعل الماجدي
إنك تقرأ إلاعلانات والفهارس
والملصقات التي تغني بصوتٍ عالٍ
هذا هو الشعر هذا الصباح
(أبولونيير)
أنجزت الشعرية العربية الحديثة،في نصف قرن، ثلاثة أجناس شعرية جديدة استطاعت إن تستوعب الحاجة الفنية والروحية للشاعر العربي المعاصر إضافة إلى نقلها الشعر العربي إلى آفاق جديدة لم تكن في الحسبان أبداً. فقد ظهرت (قصيدة التفعيلة) في نهاية الأربعينات من القرن العشرين ثم ظهرت (قصيدة النثر) في نهاية الخمسينات ثم ظهر (النص المفتوح) في نهاية السبعينات ومازالت هذه الاجناس الشعرية الثلاثة تمارس حضوراً نوعياً، لكن الزمن مازال يمضي لصالح قصيدة النثر مازال اغواؤها قوياً ولم تستنفذ طاقتها بعد، اما النص المفتوح فمازال يسير بطيئاً ورببما باتجاه نحو الباطن بينما قصيدة النثرتحتل السطح كله.ويبدو من الحقائق التي نراقبها ان النص المفتوح لم يعد منافساً لقصائد التفعيلة والنثر بل هو نمط خاص يميل الى ان يكون ذوقياً لا تكتبه الانخبة خاصة تستجيب، عادة، الى نداء الاعماق وتتحلى بقدر كبير من المثابرة والصبر اللذين لا يتوفران، في الغالب، عند الشعراء الجامحين المتوثبين دائماً لاعلان احتجاجهم واضطرابهم وتوترهم امام العالم.
إن النص المفتوح يحتاج إلى قدر كبير من شخصية السارد الملحمي والمعرفي. انه جنس شعري يتخذ من الكتابة فعلاً شعرياً مغامراً يقف بوجه متون السرد والدراما والمعرفة الحديثة منافساً لها قدر انطلاقه من ارض الشعر، انه مصالحة الشعر مع المتون ثم تطويقها او تفخيخها بنيران الشعر.
في الادب العالمي ظهر المفتوح من تطور قصيدة النثر الإشراقية التي حررت نفسها من الزمن واستطالت لتكوّن لها فضاءً سردياً درامياً معرفياً ظل الشعر يغذيه بنسغه الصاعد ابداً من جذور قديمة وجديدة تجد ابعد طبقاتها في الشعر الملحمي القديم. ولعلنا لا نبالغ اذا قلنا ان (أناشيد مالدرورو) للشاعر الفرنسي لوتريامون هي أول نص مفتوح محكم رغم ان لوتريامون لم يكن يعرف ماذا يسميه، لكن النص المفتوح وجد حاضنته الحقيقية مع الشاعر الفرنسي سان جون بيرس الذي جعل من (أناباز) و(ضيفة هي المراكب) انموذجين مهمين للنص المفتوح رغم ان (ضيقة هذا المركب) تكون النشيد التاسع والاخير من عمل شعري طويل هو بحد ذاته نص مفتوح نموذجي. وقد ظهرت في أوربا وامريكا اعمال كثيرة من هذا الجنس الكتابي لم يكن يطلق عليهم شعراء بالضرورة بل كانوا يسمون ب(النصوصيون).
أما عربياً فإن (مفرد بصيغة الجمع) لادونيس 1977 تمثل بداية أولية لهذا النمط رغم أن شُعريرات النص المفتوح قد تكون ظاهرة في نصوص اخرى سابقة، ثم كتب سليم بركات ( الجمهرات ) و ( الكراكي ).. وظل النص المفتوح يراوح ببطء في بداية الثمانينات حتى تصدّت نخبة من جيل السبعينات في العراق لتوسيع مديات وانواع النصوص المفتوحة فظهرت أولاً (خزائيل) لخزعل الماجدي التي غاصت باطنياً بالنص المفتوح وانتجت نوعاً من الشعر الغنوصي ثم ظهرت اعمال زاهر الجيزاني (اغنية الاله مردوخ) و(شاحنة البطيخ) ثم توالت اعمال اخرى مثل( عكازة رامبو ) و ( حية ودرج ) و ( خيط العبور ) وغيرها.
في مقابل النصوص الشعرية المفتوحة كانت هناك نصوص نظرية حول النص المفتوح فقد اطلق عليها ادونيس اسم (الكتابة الجديدة) وحاول محمد بنيس ان يلامس هذا الموضوع في (بيان الكتابة) وشكلت افتتاحية مجلة (تحولات) مقترباً نظرياً من النص المفتوح حين اسمته (اللاشكل الشعري) في حين اسمته افتتاحية مجلة (الاخير اولاً) ب(قصيدة سرد)، وكل هذه الكتابات النظرية كانت تشير ضمنياً الى ( النص المفتوح ) لكنها لم تسمه صراحة رغم ان هذه التسمية شاعت في الدوريات الادبية ورغم رسوخها في الادب الغربي بشكل خاص.
هذا البيان يحاول ان يطرح وجهة نظرنا حول (النص المفتوح) بعد ان انجزنا نصوصاص عديدة بعد (خزائيل) هي مادة المجلد الرابع من اعمالنا الشعرية: (عكازة رامبو، حية ودرج، خيط العبور، حمام النساء في كركو، فلم طويل جداً). وهي نصوص مفتوحة كتبت على فترات متباينة، وكان من الممكن ان يظهر هذا البيان في بداية التسعينات (وهو وقت كتابتنا له) لكن ظروف النشر حالت دون ذلك، وقد اتاح لنا ذلك فرصة مراجعة هذا البيان واضافة ما هو ضروري له.
الفرق بين قصيدة النثر والنص المفتوح
ربما، بسبب نثرية الاثنين (قصيدة النثر والنص المفتوح) لا يفرق الكثيرون بينهما وربما لأسباب أخرى منها الاستهانة بأجناسية الاثنين معاً وعدم الاعتراف بهما احياناً.
ان كتابة الشعر عن طريق النثر وهو ما اسميناه، ذات يوم (الشعر في النثر) يعني على وجه التحديد كتابة الشعر بواسطة النثر وبدون مساند عروضية ودون قافية هذا اولاً، ثم يتبع ذلك التخفيف من الركائز البلاغية التقليدية كالتشبيه والاستعارة والفصاحة واللجوء الى الكناية الجزئية او الشاملة والى وسائل بلاغية جديدة كالتكرار والتوازي والمفارقة وغيرها. ان ما تشترك به قصيدة النثر والنص المفتوح هو جعلهما النثر وسلة للوصول الى شعرية جديدة. هذه الشعرية، هي في جميع الاحوال، مختلفة عن كل ما كانت تثيره قصيدة العروض (العمودية والتفعيلة). هذا هو الشيء المشترك الوحيد بين قصيدة النثر والنص المفتوح وهو أمر هين قياساً الى الفروق الكبيرة بينهما، هذه الفروق التي تجعل من كل منهما نوعاً شعرياً مختلفاً تماماً عن الاخر بل وربما سيظهر النص المفتوح وكأنه طلاق كامل مع تاريخ القصيدة بأكمله فهو طريقة لا قصيدية بل نصية يستدعي بناء اخر يختلف عن القصيدة حتى وان كانت قصيدة نثر. ويمكننا، من اجل المقارنة الدقيقة بين قصيدة النثر والنص المفتوح، وضع الجدول الاتي:

قصيدة النثر

  1. قصيدة النثر آخر حلقة تطورية في تاريخ القصيدة فمنذ أغاني الزراعة والحصاد والأعياد والتراتيل والصلوات في العصر القديم والوسيط ومنذ الظهور الدنيوي المتماسك للقصيدة الموزونة فيهما وفي العصر الحديث منذ عصر النهضة بشكل خاص أصبحت (القصيدة) هي الشكل الشعري النموذجي وحين جاءت قصيدة النثر تمّ التخلي عن الايقاع العروضي والإبقاء على البناء الشكلي للقصيدة، فهي وإن شكلت قطيعة مع قصيدة الوزن لكنها ظلّت تنتمي الى مفهوم القصيدة.
  2. تستمر بنية (القصيدة) في قصيدة النثر وبذلك ترتبط بالبنية التقليدية السابقة للشعر.
  3. قصيدة النثر نظام شعري مغلق له بداية واستمرارية ونهاية، وبذلك يكون شكلها دائرياً وتماسك هذاا لشكل وحدة عضوية وكثافة وتوتر.
  4. تمتاز بقصرها النشي وبساطة تكوينها .
  5. تنقسم عموماً إلى القصيدة الشكلية التي تفرض بنية وأشكالاً إيقاعية منتظمة والقصيدة الإشراقية التي تمحو حدود الزمان والمكان
  6. لا تسرح القصيدة في تصيد المجهول بل تكتفي بالكشف السريع خدمة لفكرتها
  7. تمتاز بكثافتها وبلورتها للفكرة الشعرية وضغطها الشديد وصلادتها ولا تميل الى الاستطراد أو الشرح.
  8. تحاول القصيدة تمثل جوهر الشعر وتعبر عنه عبر أقصر الطرق والوسائل.
  9. تعتبر نوعاً من أنواع جنس الشعر وطريقة من طرق نوع القصيدة تحديداً رغم الانقلاب الجوهري الذي أحدثته في كتابة الشعر عن طريق النثر لا عن طريق الوزن.
  10. لها نوعان من الإيقاع: الأول هو إيقاع المعنى والثاني هو الإيقاع الشكلي الذي ينفذ عن طريق الاستعارة والتكرار والتوازي والمفارقة والمقاطع المنتظمة والبناء الدائري وايقاع الصورة الشعرية وايقاع الجملة أو شبه الجملة والايقاع البلاغي.
  11. غايتها في ذاتها فهي مستندة على ذات شعرية وتريد أن تحقق اكتفاء عالياً في تكوينها.
  12. .تعتمد على الإقتصاد اللغوي ولا تهدر كثيراً طاقاتها اللغوية وهي قصيدة معنى بالدرجة الأولى.
  13. لا تحفل كثيراً بالسرد أو الدراما وإن استخدمتها فسيكونا وسيلة عابرة.
  14. الوحدة العضوية أساسية فهي قصيدة تنمو بوضوح ودقة ولا مجال فيها للحذف أو الزيادة.
  15. تتبع نسق القصيدة الموزونة الى حد كبير.
النص المفتوح

  1. .النصّ المفتوح إنقطاع شامل عن مفهوم أو شكل القصيدة وإعلان عن نهاية تاريخ القصيدة وبداية لنمط جديد، هو شعر النص أو نص الشعر الذي نسمّيه اصطلاحياً ب (النص المفتوح). والنص المفتوح يتبنى كتابة الشعر عن طريق النثر بوسيلتين هما إلغاء الإيقاع الوزني وتبني شكل النثر وقوانين بنائه، أي أنه يثور مرتين على شعر الوزن فهو يلغي الوزن ويلغي بناء القصيدة ليتبنى بناء النثر أو بناء النصّ النثري.
  2. تنقطع بنية (القصيدة) وتبدأ بنية (النص) في النص المفتوح وبذلك يشكل قطيعةً كاملة مع البنية التقليدية السابقة للشعر.
  3. النص المفتوح نظام شعري مفتوح له بداية وتفاصيل ولاتحدّه نهاية بل يكون تائهاً وقابلاً لنهايات كثيرة. وبذلك يصبح أميبياً وغير محدد.
  4. تمتاز بطولها الواضح وتركيب تكوينها .
  5. لايسوده قانون واحدٌ في الأداء ويمكن أن ينقسم الى عشرات الأنواع حسب آلية العمل ووسائله مثل (نصّ السيرة، نصّ اللعبة، نصّ الجاندر، نص المخطوطة، نصّ الريبورتاج..الخ) كما سنرى، ويمكن ان ينقسم حسب انفتاحات النص الى أنواع أخرى.
  6. يسرحُ النصُّ في تصيِّد المجهول ويتناسل افقياً وعمودياً وتتكاثر فكرتها ولايعود للنص مركز واحد.
  7. يمتاز بغباريته وامتداده وفضائه السينوغرافي وتشتيث الفكرة الشعرية وجعلها متنا مثل دخان في فضاء وربما ظهر الاستطراد أو الشرح .
  8. يصنع النص المفتوح نفسه في الأعراض الشعرية أو في فضاء الشعر وليس في جوهره وقد يضطر لنحت خرائط كثيرة في هذا الفضاء للإشارة إلى الجوهر لتمثله مباشرة بقوة.
  9. يعتبر النصّ المفتوح محاولةً لجمع وتمثّل كل أنواع جنس الشعر، فهو يحاول أن يكون جنس الشعر كلّه عن طريق النثر لكنه في الوقت نفسه نوعٌ واحد محيط وغير محدود لجنس الشعر.
  10. لايحكمه إيقاع واضح وإن ظهر هذا اٌلإيقاع فالنصّ المفتوح غير ملزم به ولايُستدرج إليه. وقد يكون هناك إيقاع أسلوبي لايمكن تصميمه سلفاً بل يظهر وفق انسجامات وهارمونيات الشاعر نفسه.
  11. غايته خارج ذاته الشعرية ويُريد أن يأسر فضاءً شعرياً واسعاً.
  12. يعتمد على البذخ اللغوي ويسعى لتفجير اللغة وشحنها وتصادمها وهو نصٌّ لغوي بالدرجة الأولى.
  13. يستخدم السرد والدراما وغيرهما ويكون هذا الاستخدام جزءاً أساسياً من أسلوبية النص المفتوح.
  14. التركيب العضوي والخلط الحر هما أساس النص المفتوح ويمكن الحذف أو الاضافة في سياق العمل.
  15. يتبع نسق النثر بالكامل .
فتح النص الشعري عمودياً وأفقياً
سيبدو كما لو أننا نؤسس لإجراءات عملية لجعل النص الشعري نصّاً مفتوحاً، ويعتمد هذا على درجة المهارة العالية التي تنبيءُ عن لباقة الشاعر اللغوية والروحية والجمالية.
لقد كان عملنا، أولاً، في ميدان النصِّ نفسه، كنّا نتلمسُ طريقاً شاقاً إذ ليس من السهولة بمكان نجاح نصوصٍ من هذا النوع، ثم أن تقليد أيّ نصٍّ عالميٍّ أو عربيٍّ سيكون عملاً لاجدوى منه، وكان لابد من طريقةٍ خاصةٍ، فقد قمنا بوضع (النصّ المفتوح) في حقيقته أولاً، دون مواربةٍ، في النثر بمعناه الشامل، وبدأنا بفتح النص الشعري باتجاهين مختلفين أولهما عمودي ذهب باتجاه الماضي وجعل الشعر يلامس النصوص الأدبية النثرية والشعرية القديمة والنصوص الدينية الأسطورية والمقدسة والصوفية، وثانيهما أفقي دخل في نصوص النثر المجاورة الأدبية والتاريخية والعلمية والمعرفية المعاصرة بشكل خاص، وهكذا تغير مفهوم الشعر لأنه أصبحَ يكمن تحت كلّ نصّ قديم وجديد، وهكذا ارتبط بالكتابة من ناحية التنفيذ لكنه لايهمل الكلام والسيل الشفاهي المتدفق، مثل نهر، بل لعلّه يتخذ منه روحاً محركةً له كما سنرى.

في دخولنا العمودي نحو طبقات التراث الدنيوي والديني الذي أُنتج في الماضي سنتخلى عن التعصب الحداثي وسنبدو أكثر قرباً من مادة الماضي والموروث لكن علينا الاحتراس دائماً من قوالب التراث التي ثارت عليها الأساليب الحديثة في الكتابة. مايهمنا إذاً بحر الكتابة الذي يلتمع بشذرات وموتيفات وتركيبات شعرية ساحرة يمكن أن تكون قوىً منشطةً للنص المفتوح الذي يجري بناءه، إن طبقات الموروث المحلي والقومي والعالمي تلتفّ على بعضها بطريقة يصعب معها تحديد مرجعياتها الأجناسية أو النظامية فنصوص الأدب والدين تلتف على بعضها كلما نزحنا الى الماضي البعيد.
ينفتح الشعرُ على السرديات الحكائية القديمة وعلى السير والتاريخ والحوليات ونصوص الجغرافيا ونصوص الأحلام والخرافات والملاحم الشعبية وأصناف الشعر الشعبي القديم والأغاني وغيرها هذا من جهة الأدب القديم، أما من جهة الدين فينفتح على النصوص الكتابية المقدسة والنصوص الأسطورية ونصوص التصوف والإشراق والغنوص بشكل عام ويحاول إعادة تركيب الطقوس والدورات الدينية المقدسة الآخروية ونصوص العود الأبدي وغيرها.
وفي هذا الانفتاح العمودي الباطني على لجج الموروث يغتني الشعر ويتخصب بماضي البشرية كلهّ، ويكون شحنته الأولى، وهو مايجعله يتصالح نسبياً مع ذاته.
أما إذا فتحنا النص الشعري الجديد أفقياً على نصوص الحاضر فعلينا أن نضعه أولاً في مديات النثر السردي والدرامي والشعري السائد من جهة الأدب وأن نعرّضه للتلامس مع آفاق المعرفة المعاصرة من علوم صرفةٍ وعلومٍ إنسانية وفلسفةٍ وثقافة. إن هذه الحركة الأفقية تتصالح كلياً مع الحداثة باعتبارها أفقاً إنسانياً رحباً وماثلاً للعيان في حقول المعرفة والأدب بشكل خاص. وهكذا يكتسب النصّ المفتوح من هذا الأفق آليات وتقنيات وأساليب الحداثة، ويكتنز من شحنات الحقول النثرية التي حوّلت مادة الحاضر المكتوبة الى نصّ شعري.
إن تناسل اللغة الشعرية، أفقياً، مع لغات وأساليب النثر بكافة أنواعه (الأدبية والعلمية) تعملُ على تخصيب الشعر.
إن قصيدة النثر، على سبيل المثال، تضغط الشعر وتقتصده في صور محتشدة بالمعنى، أما النصّ المفتوح فيدحرج الشعر في طيات النثر ويفتح هذه الصور لاحتمالات متناسلةٍ كثيرة. فهو يحرثُ طرق النثر ويحمل منها شحنات كثيرة تتحول فيها المادة الأدبية والعلمية والأسطورية الى فضاءٍ شعري يخلو من الأخلاط التي مرّ بها ليتنفس في هواء جديد لكنه مخصب.
تجذب قصيدة النثر فضاء الشعر كله نحو جوهر الشعر، بينما يفتح النصَّ المفتوح جوهر الشعر باتجاه فضاء الشعر. وبذلك يكون عملهما متعاكساً. وهكذا يكون الشعر في آخر مجترحاته قد أعطانا نمطين من الشعر أحدهما يشبه الشهيق وهو ماتقوم به قصيدة النثر من سحب هواء الشعر الى الرئة (جوهر الشعر) والآخر يشبه الزفير وهو مايقوم به النص المفتوح من دفع هواء الشعر من الرئة الى الفضاء، وهكذا يتنفسُ الشعر ويتنفس العالم بإجرائين متلازمين ومتّحدين.
ولأن الشعر كائن قبلي فهو يحول مايختلط به من الأشكال الأدبية والمعرفية الى أشكال بدائية قبلية أيضاً، فهو عندما يمسّ التاريخ فأنه يصبح عملاً قبل تاريخي وعندما يمسّ الدين فانه يصبح عملاً قبل ديني وعندما يمسّ الكيمياء فإنه يتحول الى عمل قبل كيميائي، وميزة القبل هنا أنه يحاول القبضَ على الكلّ الذي يحيط ذلك الحقل به نفسه، وهكذا يتمكن الشعر من خلال النص المفتوح أن يقفز الى ماقبل الفلسفة ويتحول الى (مصدر معرفة أولى) وبذلك يتحقق حلم الشعراء العظام في أن يكون (الشعري) مصدر المعرفة ففيه أجنتها وخطوطها الاولى. لقد قامت الفلسفة في فترة انفصالها عن الأساطير والخرافات وتبلورها بالاستحواذ على (الكليّ) والتعامل معه علماً أنه الحقل الأول في حقولها وتركت الأساطير تذبل وتضمر ثم تنتهي.. أما الشعر وهو يحاول تشكيل ذاته الخلاقة فإنه يتقدم في تلمس الكلي وإضاءَتهِ بشكل يختلف عن تلك التقنيات التي تعسفت الفلسفة وحصرتها فيه.. وهذا يعني ظهور نصوص أسطورية جديدة يصبح الشاعر مركزها ومولدها.

إن النص المفتوح هو فضاء الشعر وشكله الحر والكليّ.. إنه سينوغرافيا الشعر، أما ماخاضَ فيه الشعر (الموزون والمنثور) فقد كان نتيجة تبعيته لأجناسٍ غير أدبية. إن الشعر يعمل ضد الشكل والقصيدة شكل أما النص المفتوح فلا شكل له .
إن انفتاح النص الشعري عمودياً وأفقياً على الأجناس النثرية والعلمية والمعرفية وتلويثها ببراءته وعفويته وفطريته يجعله يستعيد السيطرة على مركزه الفعلي لها وتصيَّده للكليّ الذي يحيط بها او يتمركز فيها. وبهذه الطريقة يستعيد أو يمارس الشعر تمركزه الكلي/ القبلي في هذه الحقول التي انبثقت منه عندما كان مازال في مرحلة الكمون.. وبهذه الطريقة أيضاً تنتهي مرحلة القصيدة باعتبارها جنساً شعرياً مهيمناً ويصبح النص المفتوح هاضمةً كونيةً ينظمها نسق الشعر أو فضاءً مفتوحاً يدور حول جوهر الشعر.
تسعى قصيدة النثر لتكون جنساً شعرياً أما النص المفتوح فيسعى الى طريقة كتابة مبدعة بل والى طريقة تفكير جديدة.
تشي تسمية النص المفتوح أيضاً بانفتاح حواس الإنسان على بعضها وتداخل آلياتها مما يُنشِّط كلّ واحدةٍ على حدةٍ ويعطي للانسان توتراً وجودياً عالياً كما يعني ضمنا انفتاح الحقل الانساني يأكمله على الحقول الحيّة الأخرى التي حوله (الحيوان النبات) وتبادل الإيقاع معها، وكذلك حقول المادة الفيزيائية ويصبح الكون وحدةً شاملة قادرة على الاختلاط مع بعضها ويكون الشاعر هو راعي هذا الإختلاط عبر مدوّنته المفتوحة. وعن هذا الطريق يكون النص المفتوح جنس الأجناس المكتوبة ونوعاً من النصوص الأسطورية الحديثة الشاملة التي يتحقق فيها اختراق وتضمين وإعادة صياغةٍ وتناصٌ وذاكرةٌ ومخيلةٌ وحيوانٌ أخرى.
النص المفتوح وأنماط الشعر القديم
كان الشعر القديم كله منظوماً وكان يمكن تجليه إلى ثلاثة أنواع هي (الملحمي، الدرامي، الغنائي) ونحنُ هنا نتحدث، بطبيعة الحال، عن ما آل اليه فن الشعر الدنيوي ونستبعد أنماط الشعر الديني. وعندما جاءت القرون الوسطى قفز الشعر الدنيوي الى الواجهة وأكل من جرف الشعر أدبيين كثيراً، وبعد نهاية العصر الوسيط وبدء عصر النهضة بدأت القيود التي كبلت روح وعقل الانسان بالتراجع فتراجع النظم فكتبت الملحمة بأسلوب نثري ونتج عن ذلك ظهور جنسين أدبين هما الرواية ثم القصة، وكُتبت الدراما بأسلوب نثري فنتج عن ذلك جنسٌ أدبيٌّ جديد هو المسرح الحديث، وكُتبت الغنائيات بأسلوب نثري فنتج عن ذلك جنسٌ أدبي جديد هو قصيدة النثر، أما الشعر بصورة عامة فقد امتد في ما تعارفنا عليه في العصور الحديثة ب (القصيدة) وقد لازمها النظمُ ووصلت لنا بأشكال كثيرة، فالقصيدة جنسٌ شعري حديث نسبياً. ووسط كل هذه التطورات النوعية للأجناس الأدبية حُجبت الحقيقة الكبرى والعظيمة للشعر فقد تقطّع في أجناسٍ نثرية.. وكان قد سُجنَ في قوالب نظمية ووزنية قامت بتكبيل حريته، ولذلك نرى أن قيامنا بفتح الأبواب بين الأنواع الشعرية القديمة (الملحمي، الدرامي، الغنائي) بدلالة الأنواع النثرية الجديدة النابعة منها (السرد، المسرح، قصيدة النثر) متداخلة ببعضها ومعتمدةً على الكتابة بأسلوب النثر ومسّيرة بروح الشعر سينتُج عنه حتماً ما نسميه ب (النص المفتوح) الذي يمثل خلاصة تاريخ الشعر وأنواعه وفنونه على مر العصور.
ومهما كان تاريخ ظهور الأنماط الثلاثة الأساسية للشعر القديم فإن الشعر الملحمي هو الذي بدأ بالإندثار مبكراً في حين بدأ الشعر الدرامي بالتقهقر، أما الشعر الغنائي فما زال حياً بقوة وهو الذي ورث كلّ أمجاد الشعر القديم، ولعل هذه الأنواع الشعرية الثلاثة كانت متداخلة في فترات تطورها ونشوئها، لكن الشعر الملحمي توارى بسرعةٍ وبذلك يكون الشعر قد فقد انفتاحُه على التاريخ والأسطورة والدين والعلوم القديمة وترشحت منه شحنات كثيرة ولم يبق سوى الجوهر الغنائي الفردي، ولذلك بات من الضروري أن نعيد انفتاحه على الأجناس والحقول الأخر وهذا لايعني أن نعود الى الشعر الملحمي بل أن نعود إلى الشعر بمفهومه الشامل والعميق عن طريق (النص المفتوح) بعد أن وعى الشعر ذاته وتمحور حولها.
النص المركّب
يمكننا أن نعي طبيعة النص المفتوح من خلال فهمنا لحركة الاختراق المستمرة التي تجوب داخله، وتكاد الإختراقات تتحقق بين الأجناس الشعرية والأدبية والكتابية بقوةٍ، ويبدو لنا هذا الشعر مركباً لاسبيل الى مقارنته بالشعر البسيط الذي له مواصفات خاصة. وبذلك يكون النص المفتوح مشابهاً للمركبات الكيميائية التي تملأ الطبيعة وتكوّنها.. بينما تشبه الأنواع الأخر الأخلاط والعناصر البسيطة.. وهنا لاينفي نوعٌ شعريٌّ النوعَ الآخر بل يتشكل منه أو يشكّل أحد احتمالاته ولكننا نودُّ أن نشير الى أن الطبيعة زاخرةٌ بالملايين من المركبات والعدد المحدود من العناصر.
من هذه النقطةِ ومن غيرها نرى أن احتمالات تنوع النصّ المفتوح احتمالات لامتناهية..ويمكننا ابتكار عدد كبير منها وماعلينا الاّ اختيار طريقة (التركيب) التي تتضمن النسج الخاص بالشاعر، وهذا يعني أن الشاعر سيعبر دائماً فوق أزمة الشعر عن طريق فتح الشعر على المحيط والأعماق ففي هذا نوعٌ من أنواع الخلاص من مأزق الشعر لأن القصائد الموزونة والمنثورة تحشرُ نفسها، بعد وقت من ابتكارها، في مأزق التكرار والتسطيح أما النص المفتوح فيتعدى مثل هذه الأزمات بسببٍ من مرونة آلياته وقدرتها الدائمة على التشكل بمطواعيةٍ .
يسعى الشاعر لأن يقوم بدور الكيميائي في حقول اللغة والبلاغة والأسلوب حيث يتم ابتكار تراكيب جديدة في هذه الحقول ويتم خلط شحنات مختلفة ومتناقضة فيها بطريقة خلاّقة ومبدعة.
تسمحُ لنا عمليات التركيب العضوي للصور والأخيلة والبلاغات المتداخلة وأسلوبيات الشعر المفتوح بالتناسج والبناء حول نواةٍ أساسية تخصُّ طريق النصّ أو نوعه أو فضائه. وربما كانت هذه العمليات تجري وفق تداعيات مضمون النص ومايترتب عليها من أفكار وأغوار تزيد من غناه. إن التركيب الشكلي والهوس المجاني بالألفاظ والاستعارات الغريبة تنتجُ نصّاً مفككاً وهّشاً أما التركيب العضوي المدهش بجدته فهو الذي سيجعل التراكيب الصغيرة للنصّ المفتوح معبرةً عن ستراتيجية النص موضوعاً وأسلوباً. إن التركيب العضويّ سيجعل من النص المفتوح فسيفساء هولوغرافية تحتوي كل قطعة منه على نبض تركيبه الكليّ، ولذلك يبتعد النص عن كونه خليطاً جامعاً للمتناقضات أو المتشابهات أو الشظايا المنشطرة.

الشعرُ نصّ مفتوحٌ بين الكلام والتاويل
إذا كان الكلام نتاجاً فردياً أمام اللغة التي هي نتاج جماعي، فإن الخطاب هو (نسق محدد من الكلام، إنه كلام في حقل خاص، فهناك نسقٌ في الحقل السياسي إسمه الخطاب السياسي وهناك نسق في حقل التاريخ إسمه الخطاب التاريخي وهناك نسق في حقل الشعر إسمه الخطاب الشعري، ويضم الخطاب الشعري، على سبيل المثال، الشعر والكلام عن الشعر، أي الشعر والميتاشعر وهكذا يكون مجرى الكلام هادراً ينشطر أفقياً الى حقول عديدة تنشطر هي الأخرى عمودياً الى موجات مباشرة هي نواة الخطاب وموجات غير مباشرة هي الكلام عن هذه النواة والنظر والتأمل فيها.
يتحول الخطاب، عن طريق الكتابة، الى نصٍّ، فالخطاب الشعريّ الذي هو نسقٌ خاصٌ في حقل الشعر سيتحول الى نصٍّ شعري عن طريق الكتابة. والكتابة هنا تضع الخطاب في إطار محدد وتجعل من الشعر، مثلاً، منقسماً إلى نصوص شعرية ونصوص نظرية.
إن فتح النص الشعري( أو الخطاب الشعري المكتوب) على نصوص وخطابات غير شعرية سيجعلنا أمام تفاعلات جديدة تنتج عنها احتمالات شعرية جديدة كان من الصعب تصورها. وهكذا يمارس الشعر حيويته وينبضُ من جديد في أنسجةٍ نصيّةٍ وخطابية أخرى مجاورة، أفقياً وعمودياً.
وفي حالة قراءة النص الشعري تفتح أمامنا احتمالات عديدة لتلقي النص ويصل بالتالي الى التأويل، أي أن النص الشعري يتحول الى التأويل، عن طريق القراءة، وبذلك تتضاعف إحتمالات النص المفتوح في التفسير أو التلميح ويكون الشعر قد ازداد ثراءً وخصباً وقوةً.

ويمكننا أن نلخص تلك العمليات السابقة التي تتبعناها بالمخطط الاتي:



يمكننا ملاحظة بعض الأمور في هذا المخطط:
  1. إن المستوى الثابت لعملية الإتصال يجري كما يلي (اللغة، الكتابة، القراءة)
  2. إن المستوى المتحرك التداولي للإتصال يجري كما يلي (الكلام، الخطاب، النص، التأويل) .
  3. إن المستوى الثابت هو الوسائل بينما المستوى المتحرك هو غايات يتعامل معها الإنسان ويحقق بها أغراضه الحقيقية.
  4. إن غاية الكلام هو التأويل، والتأويل هو الذي يُشبع العقلَ ويُرضي ملكةَ التطلع والمعرفة والفضول والشك.
  5. إن الشعر هو الروح الوحيدة التي تتحرك بحريةٍ كاملة في مجريات الكلام والخطاب والنص والتأويل والقادرة على فتح الثغرات في حقول ومستويات هذه المحطات والتحول بحريةٍ داخلها والتخصّب بشحناتها، ونرى ان النصّ المفتوح هو الشكل الأنسب لتحقيق مثل هذه الحرية.
إن التأويل يلازم بالدرجة الأساس نوعين من النصوص، على مدى التاريخ، هما: النصوص المقدسة والنصوص الشعرية. فالنصّ المقدّس قابلٌ للتأويل سواء كان أسطورة أو كتاباً مقدساً بسبب من الطابع الشمولي الذي تستندُ إليه هذه النصوص أولاً وبسبب الرغبة في جعلها نصوصاً ذات طبيعة غورية باطنية بالدرجة الثانية. اما النصّ الشعري فهو نصّ مؤول أيضاً وبدرجة قد تفوق النصّ لأن الدلالة العامة فيه لاتتطابق مع المدلول ولأن الطابع البلاغي للمعنى وللإستعارة والكناية قد تكون غاية جمالية وليست وسيلة للوصول الى معنىً محدد، وهذا مايختلف فيه النصّ الشعريَّ عن النصِّ المقدّس .
النص المقدس يحيلُ الى الإيمان مباشرة أما النص الشعري فيتعثر فيه الإيمان لكن الإيمان النهائي يجب أن يتحقق وأن نصدق الخيال الذي نعلم بأنه خيالٌ وإلاّ صارت المتعةُ عن طريق الخيال هي الغاية وصار الشعر فّناً عادياً مثل بقية الفنون لكن الشعر يذهب أيضاً نحو الإيمان مهما تعددت طبقاته التأويلية.
الشعرُ يُكتبُ أساساً وفق تصميم تأويلي عبر الخيال والبلاغة ويدعو القاريء لمساحة أوسع من التأويلات القرائية.. فهو يتشكل في منطقة التأويل دائماً أكثر من أيّ نصٍّ آخر بضمنها النص المقِّدس.
التأويل حاضنة الشعر (نصّاً وقراءة) ولاشعر دون أن يكون هناك تأويل بهذا القدر أو ذاك.
هذا ينطبق على النص الشعري عامةً وكيف سيكون الأمر مع النصِّ المفتوح الذي يفتح باب التأويل على مصراعيه بحكم تشعبه باطنياً وأفقياً إضافة الى التأويل العام والأسلوبي للنص المفتوح.
إن النص المفتوح هو أحد أعظم مناجم التأويل الفني والخيالي والروحي لأنه يجمع أطراف العملية الابداعية بوجهيها المقدّس والدنيوي .
إن التاويل الشعري هو الأكثر من بين التاويلات الأخرى على التعدد والتضاعف لأن روح الشعر وآلياته تحرر اللغة/ الكلام من عوائقها وحدودها وتزيد من ثرائها وغور أعماقها. وهكذا يكون الكلام قد حرر نفسه تماماً في التأويل الشعري ووصل الى ذروة قوته وهو مايعمل على تحرير العقل من قيوده وكبح مصدّاته الكامنة، أصلاً، في قواعد اللغة الصارمة.
كذلك يمكننا النظرُ الى القراءة على أنها خاتمة عمليات بدأت باللغة المنصوص عليها في القواعد والمناجم . وانتهت بالقراءة ذات الآليات والمستويات المتعدد حيث يُعطينا الشعرُ، أيضاً، قراءات متعددة على اعتبار أن القاريء ليس طرفاً محايداً أو سلبياً بل هو طرفٌ إيجابي وفاعلٌ باتجاه الغنى والتعدد.
وهكذا يجعل النص المفتوح الشعر مفتوحاً على مجريين أساسيين هما الكلام الذي هو خامة الشاعر والتأويل الذي هو حرية القاريء، في حين تجعل القصيدةُ الشعرَ خطاً سالكاً باتجاه واحد بين الشاعر والقاريء، إننا نتحدث عن حُزمٍ هائلة من المعلومات والأخيلة والأحداث والمشاعر التي يدفع بها الشاعرُ، في النص المفتوح، نحو القاريء الذي سيضاعفُ إنتاجها عن طريق التأويل الواسع لكل خطٍّ من خطوط هذه الحزُم. وسيكون النصّ المفتوح عبارةً عن نهر متدفق قادرٍ على تكوين فروع لانهاية لها في أرض القاريء عن طريق التاويل. إن النص الأدبي الشعري ( وأعني به القصيدة) يشبه مايمكن أن تفعلهُ القصة أو الرواية من تأويلٍ بسيط عند القاريء، لكن النص الشعري المفتوح سيقودنا الى تأويل مضاعف لعشرات او مئات المرات.

المدينة، السوق، الشارع، البيت: نصوص مفتوحة
إذا انتقلنا إلى الحياة فيندر أن نجد أنفسنا لوحدنا أو في حقول صافية واحدة، إننا نعيش اليوم في مدنٍ هي عبارة عن شبكة معقدة من المرافق والمصالح والأحوال، فهناك الشوارع والمقاهي والمستشفيات والكازينوهات ومحلات الباعة والسيارات وغيرها.. وكل مفردة من هذه المفردات تحيل الى تراتبات وعناصر وقواميس خاصة بها وهي تظهر متجاورة ومتفاعلة مع بعضها ويمضي الإنسان/ الشاعر وسطها مثل الروح السارية الخفيّة فيها. إن الإنسان هو الذي يمنح كل هذه المفردات معنىً لأنه الوحيد القادر على أن يبوبها من ناحية، وأن يجمعها في عقله من ناحية أخرى ما الذي يعنيه هذا؟ ألا يوحي هذا بأن المدينة هي عبارة عن نصٍّ مفتوحٍ هائلٍ يمكن للنصِّ الشعريِّ أن يماثله، إننا يمكن أن نفكر في أمر واحد فقط في لحظة ما، لكننا نرى ونسمع ونشم ونحسُّ ونستبطن آلاف الأشياء في تلك اللحظة. وقد حصل العكس على مستوى التنفيذ فالفكرُ نفّذ خطاباته ونصوصه الكثيرة في أشكال عديدة، في حين اكتفى الشعر بنمط معين سار عليه الى وقت قريب وهو (القصيدة) في الغالب.
النصُّ المفتوح يُماثل المدينةَ المفتوحةَ على بعضها والمتداخلة بطريقة يصعب تصنيفها وتبويبها بشكلٍ نموذجي، النص المفتوح هو الأكثر واقعيةً من حيث إجراء، من القصيدة (الموزونة والمنثورة) لأنه يعكس تركيب الحياة وتعقيدها الماثل للعيان وهذا لايعني فهم وإدراك هذا التركيب والنفاذ إليه، بل هو طرح أسئلةٍ عميقة لهذا التيه المتداخل من الحيوات والمشاهد المتجاورة.يمكن للسوق الواحد أيضاً داخل المدينة أن يقودنا لنفس الفكرة، فلو أننا اخترنا سوقاً واحداً ودخلنا اليه فإننا لن نجد فيه قماشاً فقط أو أحذية فقط بل سنرى أشياء كثيرة متجاورة مع بعضها.. فهل يمكن للنص الشعري أن يكون سوقاً ترى تجاور الصور والأحداث والأزمنة فيه؟..
وينطبقُ هذا على الشارع الذي يمكن أن نرى ونحن نمضي على رصيفه آلاف الأشياء المسرعة الخاطفة، وكذلك البيت الذي نعيش فيه حيث تنوع الحاجيات والأغراض والأمزجة والرغبات.... الخ
يمكننا إذن القول بأن الحياة، كلِّها، عبارة عن نصوصٍ مفتوحةٍ شديدة التركيب والتعقيد والنص الشعري يمكن أن يكون كذلك لكن هذا النصّ يجب أن يكون حّياً بروح الشاعر الوثّابة القوية وأن لايكون قاحلاً ومهجوراً وجغرافياً فقط. إن الشاعر الواعي لهذا التركيب يمكن أن يقدِّم لنا خرائط نصوصه بمهارة عالية ويمكن أن يتمثل جغرافياً الحياة في كتابةٍ موحية مليئة بالأسئلة والإنتباهات التي توقظ فينا القدرة على ربط كلّ هذا التنوع بخيطٍ سريٍّ هو روح الشاعر نفسه المحدّقة أبداً في التفاصيل والمشدودة الى النهايات البعيدة.

التشكيل، السينما، المسرح، الموسيقى: تقنياتٌ مُرَحَّلة
في قطاع الفن التشكيلي الحديث نجد أن هناك الكثير من التقنيات التي ابتكرتها المدارس الحديثة قد أغنت تاريخ الفن كثيراً، فتقنيه الأشكال الخفية التي أظهرتها التكعيبية إلى السطح وتقنيات الحلم والتجاور والتاشية والأدب والبوب والتجريدية وغيرها تعطي انطباعاً بأمكانية نقلها أو ترحيلها الى حقل الشعر وخصوصاً في النصوص المفتوحة.
لايكفي أن نقول بأن الشعر يشبه الرسم أو أن الشاعر رسّام بالكلمات بل علينا البحث عن تلك التقنيات الحاذقة التي أنتجتها فنون التصوير والنحت والعمارة في العصر الحديث وأن نحاول التفكير جدياً في نقلها الى الشعر ليس بطريقة شكلية مخزية، كما جرت العادة، بل بطريقةٍ ينتج عنها تغيير جذري وجوهري في نصوص الشعر نفسها.

يمنحنا تيار فن عدم الدراية (التاشيّة)، مثلاً، القدرة على التواصل مع حقائق موضوعية تضعها الطبيعة امامنا فيقوم الفنان بالتحايل في معالجته للبقعة أو التاشة حتى تبدأ بالتجاوب معه والظهور نهائياً مثل سحب تتحرك أو أشكال أو دوامات، فالفنان هنا دائم البحث عن أشكالٍ مماثلة خلف حجاب الوعي، إنه يلتقط من قاع اللاشعور الذي يغلي في داخله جزئية نفسانية/ شكلية تحاول أن تطوِّع هذه البقعة الخارجية وتعطيها شكلاً فنياً. إن هذه التقنية يمكن أن تكون في الشعر وفي النصّ المفتوح تحديداً حيث يتم التعامل مع مادةٍ كلامية تقذف بها أفواه الناس بالصدفة ثم يبدأ العمل معها ونحتها وإعادة تشكيلها وفق الجزئية النفسانية/ الشكلية للشاعر حتى تظهر جملٌ وصور وبلاغة جديدة.
ولعلّ البوب أرت (الفن الشعبي) من أكثر الفنون إيحاءً بنقل أو ترحيل حرفياته لتخدم ظهور (النص المفتوح). والحقيقة أن البوب أرت هو نصٌّ تشكيلي مفتوح فهو على علاقة حميمة بكل ماله مساس بالحياة اليومية في الشوارع وعلى الجدران وفي واجهات المخازن والرسوم الكارتونية القصصية ويقوم البوب على أساس الجمع بين مختلف الأشياء بطريقة تجريدية تقريباً، فهو يخلط ويعالج حالات المدينة المتنافرة ويسعى لمجاورة الثلج والنار، إن صحّ التعبير، ويركّب على ماهو صناعي وإعلاني حالات إنسانية أو شعورية فاقعة لدرجة أن هذا الفن يبدو وكأنه فن فطريٌّ بدائي.
إن فلسفة التقنيات التي يقدمها البوب هي واحدة مع مايمكن للنص المفتوح أن يقدّمه من تقنيات مثل الدمج والقطع واللصق والإحلال والإبدال وغيرها. ولذلك نقدم فرضيتنا هذه بالقول بأن فن التصوير دائماً يمِّهد الأساس الذي تقوم عليه الفنون الأخرى من ناحية التقنيات، ولعل البوب أرت هو النظير الموازي للنص المفتوح في الشعر. وإن قدرتنا على استلهام التقنيات التي وصل اليها البوب ونقلها الى الشعر سيكون كفيلاً بالحصول على تراث جديد كامل من التجارب الشعرية الجديدة.. كيف السبيل الى ذلك ؟ ذلك مايمكن أن يتقصاه الشعراء ويبحثون عنه.

لايختلف الأمر كثيراً ونحنُ نعالج أمر النحت أو العمارة أو الديكور فقد قطعت هذه الفنون أشواطاً مذهلةً في القرن العشرين حيث تفجرت ثورة هائلة في فن النحت ووسائل النحت يمكن أن تلهم شعراء النصوص المفتوحة وكذلك العمارة باتجاهاتها الحديثة مثل الأرشيغرام والميتابولزم وهما المدرستان اللتان تصورتا المنشأ العملاق بكبر حجمه الذي يمكن أن يحتوي مدينةً كاملةً أو جزءًا منها والذي يمكن أن يتكيف لمقابلة الإحتياجات المختلفة. في السينما تبدو المسألة أكثر وضوحاً عندما نتقرب، عن كثبٍ، من تقنيات الإخراج والمونتاج والحيل السينمائية فكل هذه التقنيات تفيد السبيل الذي يساعد على ظهور نصٍّ مفتوح.
يمكن للتصوير السينمائي أن يقدم لنا درساً فريداً للعمل الشعري، فاللقطات البعيدة والمتوسطة والكبيرة تعطي لصورة واحدة مساحات متنوعة يتم فيها التركيز على مايريده السينمائي أو الشاعر، إن مشهد شجرةٍ واحدةفي حديقةٍ قد يقود الى دهشةٍ معينة.. لكن مشهد الشجرة لوحدها سيعطي دهشة من نوع آخر أما مشهد جزءٍ من الشجرة فسيكون له شأن آخر وهكذا.
أما زوايا النظر السينمائية (نظرة الطائر، الزاوية المرتفعة، الزاوية الواطئة، الزاوية المائلة) فتعطي مقابلاً شعرياً لزوايا نظر مختلفة في الشعر زوايا روحية وفكرية وجمالية وواقعية وخيالية وسلبية وعدمية....الخ

إن أفضل مايمكن أن تقدمه السينما للنصِّ المفتوح هو عملية المونتاج الذي هو ربط شريحة فلمية (لقطة واحدة) مع أخرى بحيث ترتبط اللقطات مع بعضها لتكوّن مشاهد، والمشاهد ترتبط معاً لتكوّن مقاطع متسلسلة وقد أشار أحد نقاد السينما الى أن المونتاج هو: البناء اللغوي للسينما. ورغم أن هناك طرقاً عديدة ومدارس كثيرة في المونتاج. لكن هذه الآلية المهمة تجعلنا قادرين على قصِّ ولصق الصوره والجمل والعبارات الشعرية بطريقةٍ خلاّقة تُبعد الرتيبة وتسلسل الأفكار السقيم للعمل الشعري، إن آليات المونتاج الشعري في النصِّ المفتوح تجعلنا، دائماً، قادرين على تحطيم الوحدات المنطقية والعقلية التي يمكن أن تقيّد العمل الشعري وتجعله نمطياً. بل أن المونتاج الشعري يمكن أن يطال اللقطة الواحدة ويعيد بناءَها النمطي الى بناءٍ مدهشٍ وخلاّق. وهكذا يقوم المونتاج ببناء المشاهد والمقاطع الشعرية وتنظيم تسلسلها الشعري. كذلك يقدّم لنا المونتاج فرصةً رائعة للتخلص من الصور والمشاهد الرديئة بحذفها وبترها من العمل الشعري.
إننا نرى أن موهبَة الشاعر الحقيقي تقوم أولاً في ابتكار الصور والمعاني الشعرية وإجادة عرضها وتشكيلها، وثانياً في قدرته على أن يكون مونتيراً شجاعاً ماترهل أو كسدَ أو تكرر في عمله الشعري وأن يقوم بمونتاج ذكيِّ ومرهف وخلاّق لمقاطعه وعباراته الشعرية، الأمر الأول تقوم به مَلَكَة الخيال والإبداع فيه والأمر الثاني يقوم به ذكاؤه ورهافته وانسجامه وشجاعته. فالمونتاج هو العمل الشعري الثاني المعني بالتنظيم يقدم لنا الفلم السينمائي إمكانيةً هائلة للتلاعب بالزمان فهو يختصر زمن الأحداث إلى لقطات مكثفة تحمل مايدل على الحدث العام، كما أن إمكانية العودة الى الماضي أو اختراق المستقبل ممكنة في كلِّ الأحوال. وتتيح مثل هذه التقنية التقليدية وإمكانية وضع الأزمنة الثلاثة في حالة خلط او مجاورة أو صراع في النصِّ المفتوح. وينطبق هذا على المكان ففي كلّ لقطةٍ مكان ، إذ يمكن أن يكون في كلِّ صورةٍ أو جملةٍ أو عبارة مكان او عدة أمكنةٍ في النصِّ المفتوح، وهو مايتيح للشاعر الحركة بحرية في أزمنةٍ وأمكنةٍ كثيرة.
أما المسرح فيقدم لنا إمكانيات نصيّة هائلة فالدراما عنصرٌ حيوي في النصِّ المفتوح والصراع والحوار، لكن المهم في النصِّ المفتوح استبطان الدراما والصراع والحوار وليس عرضها على السطوح كما في المسرح، يمكن للنص المفتوح أن يحتضن الحوار بين صوتين أو قوتين أو وهمين أو فكرتين.. ويمكن للحوار أن ينشطر بين عناصر كثيرة مادية ومثالية وغائبة ووهمية.
ولكن العنصر الأهم في المسرح يأتينا من السينوغرافيا التي تعتني بتنظيم عناصر المسرحية في الفضاء المسرحي، وهذا ينطبق على النصِّ المفتوح الذي نراه من جهة اخرى سينوغرافيا شعرية تنظِّمُ العناصر والأحداث والصور والحوارات والزمان والمكان والاستعارات والبلاغات والمعاني داخل فضاء مفتوح في سياق هارموني وبدلاً من أن تكون السينوغرافيا هي المشهد الشعري في لحظة ثبات لصورة ما ( كما في قصيدة النثر عادة) فأنها تكون في النصِّ المفتوح المشهد الشعري العالي التركيب والمتدفق الصور في فضاء النص، وهو بمعنىً من المعاني قدرة الشاعر على تنظيم العناصر الصورية والدرامية والصوتية للعمل الشعري.
إن سينوغرافيا النصّ المفتوح هو التشكيل البصري والسمعي وهو الهندسة الجمالية لفضاء اللغة الشعرية، إن الشاعر في النص المفتوح مثل المهندس السينوغرافي الذي يحسب بعناية ودقة مقادير وموازنات العناصر والصور والأصوات التي تساهم في بناء الفضاء الشعري الذي هو أساس النصِّ المفتوح.
إذا كان العروض الشعري مفهوماً دالاً على رصد البنية الموسيقية للقصائد العمودية وقصائد التفعيلة وإذا كانت الصورة الشعرية مفهوماً دالاً على رصد التشكيلات الصورية داخل الأعمال الشعرية عموماً فإن السينوغرافيا يمكن أن يكون مفهوماً دالاً على رصد الشبكة البصرية والسمعية داخل النصِّ المفتوح وهو المعني برصد وضبط إيقاعات الصور والمعاني داخل النصِّ المفتوح، إنه ميزان الصوت والصورة فيه.
إن المعنى الحرفي للسينوغرافيا هو (سينو = صورة، غرافيا = رسم) فيكون هو (رسم الصورة) فهو مصطلحٌ مرنٌ جداً يمكن نقله من المسرح إلى قطاعات أخرى وخصوصاً الشعر، ف (الصورة الشعرية) مصطلحٌ أحادي بسيط يرتبطُ، عادة، بكل نصِّ شعري، أما النصِّ المفتوح فهو عبارة من مركب هائل من الصور الشعرية يحاول الشاعر رسمها وتركيبها وموازنتها بعناية، ولذلك يكون مصطلح السينوغرافيا الشعرية أكثر دقةً في التعبير عن رسم الصور الكثيرة في النصِّ المفتوح.
الموسيقى كذلك تمنحنا الكثير لفهم وتشكيل النصِّ المفتوح ويقيناً أن الشكل السمفوي هو الأكثر رقيّا والذي بإمكانه أن يناظر النصِّ المفتوح، إن البناء المركب للعمل السمفوني يمنحنا فكرة عن البناء المركب للعمل الشعري، فالسمفونية تحتضنُ في داخلها كماً هائلاً من الألحان والأنغام وأصوات الآلات الموسيقية التي تظهر كما لو أنها في حوار جدلي خلاّق. وبشكل عام تقوم الميلودية (التي تمثل الصيرورة) والتي تعبر عن الزمان المفتوح والزمان العميق وديمومة الإبتكار بتكوين الفضاء الصوتي للعمل الموسيقي.. أما البوليفونية (تعددية الأصوات) فتقوم في العمل السمفوني بشكل خاص بمزج وخلط المصادر الصوتية في تركيبٍ شكلي ومعماري دقيق.
إن الميلودية والبوليفونية تقدِّمُ للنص المفتوح ميكانزمات الخلط والتركيب الصوتي القائم على دقةٍ ومهارةٍ كبيرتين.

أما الأوبرا فتعلمنا المزج بين حقلين متجاوزين (الصوت البشري والموسيقى) وهي توحي لنا شعريا بالمزج بين السرد والشعر أو الحوار والشعر أو الأسطورة والشعر، مثلاً، ولكن هذا لايتم الاّ بتنغيم السرد أو الحوار أو الأسطورة أو برفع مقامها الأدائي الى مقامٍ شعري.. وهذا يعني العمل على هذه الفنون وتطويعها للشعر قبل أن تدخل في متونه. لايمكننا في النص المفتوح الإتيان بنصِّ سردي خالص لحكايةٍ أو قصة أو سيرةٍ دون أن نُتبِّلها شعرياً أي دون أن نجعلها قابلةً للإندماج بشعرية النص المفتوح والاّ نكون قد انتجنا مايشبه الكولاج المفتوح الذي عماده والقص القطع واللصق، لكننا في النص نطبخ السرد أو الحوار أو الأسطورةونهيئها لأن تدخل نسيج الشعر. إن الأصوات الرجالية في الأوبرا (تينور، باريتون، باص) أي (الحاد، المتوسط، الخليط) والأصوات النسائية (سوبرانو، ميتسو سوبرانو، ألطو) أي (الحاد، المتوسط الغليظ) لاتدخل كما هي بطبقاتها هذه بل تدخل بعد أن تعالج تلاوين الكلام ودرجاته اللحنية وبعد أن يتحول الصوت إلى موجةٍ نغمية، وكذلك يكون هذا بالنسبة لأي عملية خلط بين متنين كتابيين في النصِّ المفتوح.
وهكذا تحملُ الفنون كنوزاً كثيرة في آلياتها وميكانزماتها وطرق معالجتها يمكن أن تعطي النصِّ المفتوح حيويةً جديدة وتجعله مفتوحاً حقاً على هذه الفنون، ولعل تسمية المفتوح ترشحّه لأن ينفتح على كلّ أصعدة النشاط الإنساني ليأخذ منها مايعنيه على الإبتكار الجديد.
أنواع النصِّ المفتوح
إذا كان النصُّ المفتوح جنساُ كتابياً فهذا يعني أنه سينتجُ أنوعاً له وهو ينمو ويتطور، بل لعلنا لانبالغ إذا قلنا أن النصَّ المفتوح مرشحٌ لأن ينتج الكثير من الأنواع النصّية المفتوحة.
ورغم أننا مازلنا في بداية طريق النصِّ المفتوح ومازال الإقبال على كتابته قليلاً ومازالت أنواعه غير واضحةٍ للعيان وغير متميزةٍ بدقةٍ ووضوحٍ. لكننا، مع ذلك، نستطيع أن نرى في بعض النصوص بذوراً لأنواعٍ قادمة وأن نرى في الأفق احتمالات لظهور انواع أخرى قد يكون من المفيد التحريض على كتابتها.
1 -نصُّ السيرة
يتمتع نصُّ السيرة، دون سواه، بقدرة فائقة على الموائمة والمطاوعة، فهو نصٌّ ينمو أو يتدرج في عرض سيرة شخصية بطريقة شعرية لاسردية ولاتأخذُ بالاعتبار طريقة السيرة التقليدية، إنها استبطان للسيرة التقليدية، وتكثيفها بطريقة شعرية، يمكن للسيرة إذن أن تُسرد كما هي بطرق سردية معينة أو أن تُسردَ بطريقة شعرية، نصُّ السيرة إذن نصٌّ شعري مفتوح غيرُ ملزمٍ بالتصرف سردياً في عرض سيرة الشاعر أو سيرة شخص آخر كما هي أو تسلسلها المنطقي المعروف، تتحول مراحل السيرة ومحطاتها الى مشتبكات احتدام لغويًّ وصوريًّ من نوع خاص، وقد تدخل الأساطير والحكايات والملاحم والفولكلوريات على هذه السيرة وتساهم في تخليقها وتطعيمها بالمدهش والجميل والغامض. تتفكك السيرة التقليدية الى وحدات صغيرة يمكن إعادة بنائها وصبغها وشحنها بمقومات أخرى وتتحولُ السيرة الى فضاءٍ شاملٍ قد تلتقي معه سيرٌ وحيوات وتواريخ واحداث أخرى. إن غنى السيرة يكمن في اتصالها بحرارة الواقع وبانتقاء عقدة الدراماتيكية المهمة وهو مايرشحها الى الإثارة والإدهاش لكن نصّ السيرة يعيد إنتاج هذا المدهش بآليات شعريّة تعطيه بناءً هارمونياً يتصل بشكل الروح وهندسة الجمال الداخلي، ومن هنا تتحول السيرة من حكايةٍ الى رابسودية متفجرة بالجمال.
من جماليات نصِّ السيرة أنه يتيحُ فرصة هائلة لاستحضار سير شخصيات عظيمة (شعرية وغير شعرية) وإعادة استبطانها وعرضها بطريقة أخرى، بل ويمكن لنصِّ السرد أن يدمج بين سيرتين أو أكثر ويجعلها وكأنهما في سياق واحد وهو مايزيد من مساحة وحجم السيرة كما لو كانت وحدها، ولعل من تجاربنا في هذا الصدد نص (عكازة رامبو).
إن نصّ السيرة ليس نصّاً ببلوغرافياً تقليدياً بل هو فتح البيلوغرافيا كونياً وزمنياً وجعلها تتدحرج وتلتاث بسير وحيوات الآخرين، إنه رسم مصير جديد لم يكن ممكناً تحققه في السيرة الحقيقة أو في السيرة المكتوبة بتقليدية. إن سير الشعراء، مثلاً، مكتوبة بطريقة تقليدية لاتلتمعُ فيها الاّ تلك الانتباهات المدهشة لكتّابها وهو فنٌّ لانعترضُ عليه وهو في حقله، لكن نصَّ السيرة كلّه عبارة عن انتباهات مدهشة وخلطات كيميائية خاصة لمقاطع في الحياة وفي الوعي وفي سير الآخرين بل في سير النبات والحيوان والحجر والنجوم، إن نصَّ السيرة أقرب مايكون الى ملحمةٍ لم يتمكن الشاعرُ من عيشها، فهو يكتب عن حياته كما كان يتمناها وهو يفتح هذه الأمنيات على العالم كلّه والتاريخ كلّه، إنه يؤسطر هذه السيرة ويُشعرنها ويجعلنا نشعر بأنه نحن وأننا هو بل بأنه كلّ من تعرفنا عليهم في مناطق العلو كتابةً وقراءةً وحياة.
2.نص اللعبة
يمكن لكلِّ لعبةٍ أن تكون أساساً للكثير من الأعمال الإبداعية كالقصة والرواية والمسرح والشعر، فالألعاب، في حقيقتها، تقوم على الذكاء والمفارقة والمهارة والتربص والمباغتة وغيرها وهي عناصر يمكن أن تكون آليات إبداعية في الكتابة، فقد استثمرت رواية (لعبة الكريات الزجاجية) هذه اللعبة وأرتفعت بالموسيقى والسيرة والمعرفة الى مستوى إبداعي مذهل وتربّع فيها (هيرمان هيسه) على مجد نصًّ روائي لايضاهى لكنه بقي في حقول الرواية وقام إيتالو كالفينو بكتابة قصص تجتمع في ثيمة واحدة عبر (لعبة الورق) في (قلعة المصائر المتقاطعة).. أما الشعر فلا عهد لنا بعمل شعريّ حاول أن يستثمر بنية اللعبة لصالحه باستثناء عملنا (حيّه ودرج ) الذي هو نصٌّ مفتوح يقوم أساساً على لعبة ال (حية ودرج).
إن اللعبة، مهما كان نوعها، توفر بنية داخلية قادرة على تجميع عناصرالنصّ المفتوح وفق آلية هذه اللعبة من ناحية، ثم أنها قادرة على إعطائه شكلاً معيناً يميّزهُ عن غيره. إن اللعبة، هنا، رديف الصنعة فهي آلية الشاعر التي يحرث بها حقول الشعر وحقول المجهول ويجعلها وسيلةً لاستنطاق كلّ يمر به الشاعر من ألغازٍ وأحوالٍ وأحداثٍ ونصوص ومشافهات.
اللعبةُ هيكل يُعلَّقُ، بتناسق معين، الصور والسياقات والرموز والتراكيب الشعرية، ويمكن للعبة أن تساهم في شكل وأسلوب النص المفتوح، ويمكن القول أن اللعبة تحكم ترهل الشكل وتجعله محبوكاً متماسكاً ولذلك يظهر نصُّ اللعبة المفتوح أكثر النصوص إحكاماً وسبكاً.
ولاشك أن جميع الألعاب صالحةٌ لأن تستعمل في كتابة نصَّ شرط أن تدفن آليات اللعبة داخل العمل ولاتبدو أدواتها ظاهرة على السطح، وقد تدخل الألغاز في نسيج اللعبة بحيث يتوقف كلّ هذا على مهارة الشاعر في تداول أدواته الإجرائية. وتصلح ألعاب الطفولة والورق والألعاب الفولكلورية وألعاب الكرة والرياضة والتسلية وألعاب الأتاري والأقراص الالكترونية الحديثة، وألعاب النساء والقتال واللصوصية والتخفي والمراودة وغيرها في تكون مادة هيكلية للنصِّ المفتوح شرط أن تكون ملائمة لطبيعة ذلك النص والغرض المراد منه.
3. نصُّ الجاندر
يعني مصطلح الجاندر( Gender تحديداً العلاقة بين الرجل والمرأة وهو يتسع ليعني العلاقة بين الذكورة والأنوثة عموماً. ولكن كلمة الجاندر هي الأكثر للتعبير عن هذه العلاقة، فهي ترصد التفوق الذكوري أو الأنوثي ومدى التوازن بينهما في التاريخ وفي أي حقل من حقول الحياة والفكر واللغة.
ونرى أن النصَّ الشعري الذي يرصد هذه العلاقة ويكرِّس نفسها لها هو نصُّ من نصوص الجاندر، التي قد تكون الأنوثة الفمنستية Feminism جوهراً لها عندما يتعلق الأمر بتكريس أنوثة المرأة أو تأنيث العالم، إن صحَّ التعبير، وقد تكون الجنسانية sexism محوراً لها عندما يتعلق الأمر بسيادة الجنس وأشكاله في النص المفتوح، وقد تكون الإيروسية Erotica محوراً لها عندما تكون المشاعر والعواطف الحسيّة هي الأساس، وقد تكون الذكورة الخالصة المتفوقة أساساً لها وهكذا يدور الأمر حول العلاقة وشكلها بين الذكورة والأنوثة هي أساس هذا النص. ولعل (أناشيد الحب والجنس) بين دموزي وإنانا السومرية ثم كتاب (فن الهوى) لأوفيد الروماني ثم (طوق الحمامة) و (مصارع العشاق) العربية هي الجذور القديمة لمثل هذا التوجّه لكن نصوص الجاندر الحديثة مازالت قليلة رغم أن فن الرواية كرّس بعضها أما في النصوص المفتوحة الشعرية للجاندر فما زالت قليلة ولعل محاولتنا المتواضعة في (خيط العبور) و (حمام النساء في كركوك) و (ركوكو) تقع في هذا الاتجاه.
إن نزار قباني مثلاً وهو اكبر شعراء الجاندر في عصرنا الحديث كتب قصائد جاندرية رائعة وله نصوص نثرية في هذا الاتجاه لكنه لم يستبطن الأنوثة والذكورة وأبقاهما على سطح الشعر.

إن مهمة نص الجاندر المفتوح هو استبطان العلاقة الخفية بين الذكر والنثى، بين المرأة والرجل والذهاب باتجاه تأنيث العالم أو تذكيره بطريقة خلاقة. ولاشك أن تأنيث العالم هو المسعى الأساس في هذا الجانب لأن الأنوثة هي نبع الأبداع في الرجل ولأن الأنيما ( المرأة التي في الرجل) هي المسؤولة عن هذا الإبداع، وعندما يسعى الرجل الشاعر الى تأنيث العلم يكون قد واجه ونشر الأنيما التي في داخله وبذلك يكون قد أعطى نكهةً فريدةً لعالمه. كذلك عندما تسعى المرأة الشاعرة الى تذكير العالم تكون قد واجهت ونشرت الأنيموس (الرجل الذي في المرأة). لكن تأنيث العالم هو الأشد إغواءً وجاذبية في كل الأحوال.
إن النصوص الأنيمية هي نصوص لذّة وإيروس وجنس وأنوثة تسعى لأن تقف بقوة في حقل الجاندر الذي هو حقل الجمال الناشيء عن تماس الأنوثة والذكورة. ولاشك أن المادة الأولية لهذه النصوص تزخر بها الحياة أولاً والموروث ثانياً فالشاعر الذي يتهجسُ طريقة في هذا العالم لن يجد نفسه وحيداً بل سيشق طريقة بصعوبة بين شعراء الغزل والحب والجسد القدامى والجدد، ولكن آليات النصِّ المفتوح ستمنحه فرادة استثنائية عندما يعيد تخليق الهيكل الايروسي في نصوص الجاندر.
4. نصُّ المخطوطة :
المخطوطات القديمة مصدر إلهام شعري ليس من خلال مادتها المتنوعة فحسب بل من خلال شكلها وطريقتها في التنظيم والترتيب، ويمكننا كتابة نصٍّ مفتوح على وفق السياق الشكلي والهندسي للمخطوطات القديمة بحيث يتجلى ذلك أما في طريقة الترتيب أو في النوع (الكاليغرافي) للكتابة أو باضافة الصور والرموز والتخطيطات المكثفة داخل النص لتبدو جزءاً من النص وليس كمادةٍ تزيينية فقط، وذلك يجعلها روحاً حيوية تسري داخل النصِّ لا على هامشه أو خارجه.
إن نصَّ المخطوطة يمكن أن يكون نصاً فارهاً مؤثثاً بالكثير من اللوازم والفراغات والبياض وغيرها وهو بالتالي نصٌّ يميل الى الشكلانية في الكثير من جوانبه، لكن ضرورة الحدِّ من هذه الشكلانية هي امر يستوجب العناية أيضاً بالخط اليدوي أو (الكاليغراف) المنوّع الذي بشرت به السريالية، مثلاً، قد يكون عبئاً على استقبال النصِّ وتداوله، ولذلك يمكن (للكاليغرافية) واليدوية أن تجد لمستها في العناوين وبعض الجمل أو في الفضاء الحر الذي يشكلّهُ النص. لكن الغنى الأكبر يكمن دائماً في التعامل النوعي مع طرق وأساليب المخطوطات القديمة من حيث الترتيب والتنظيم وطريقة التوصيل.
يمكننا جعل النصّ المفتوح نصّاً يقترب من الأرشيف الشخصي الخاص بالنصوص والرسائل والصور والقصاصات والطوابع والبوسترات والاغلفة والجمل الاثيرة والآليات والمآثر والمشاريع والذكريات الأسرية والخاصة....الخ، ففي كلِّ هذا الحشد من مادة الأرشيف يمكن أن يظهر نصُّ المخطوطة ليعبر عن نمط جديد من الكتابة، وقد حاولنا فعل ذلك في عمل (ركوكو) الذي هو نصّ مفتوح.
إن فتح نصِّ المخطوطةِ على كل هذه العوالم الكتابية والصورية والرمزية وغيرها يجعل من النص بؤرةَ حياةٍ وذكريات حافلة وهو مايسعى له نصّ المخطوطة، ونحنُ إذ ندعو لهذا العمل الجديد لانتغاضى عن أعمال سابقة كثيرة ظهرت هنا وهناك في تراثنا الشعري العربي والغربي.

تسمح لنا عمليات الخلط بين مواد الأرشيف الشخصي والعام في الحقل الذي نختاره أن نولدّ الصور والأفكار والموتيفات المدهشة شرط أن لايسيطر السرد علينا وأن لانحوِّل السيرةَ الى قصةِ ذكريات شخصية. لابد من مهارة في صياغة هذا النوع من النصوص وإلاّ وقعنا في المباشرة والعرض المجاني، لابد من رفع هذه المواد الخام إلى مستوى الابداع وصهرها بطريقة تؤدي الى فضاء شعري لا إلى زركشة أرشيفية أو رواية بابلوغرافية سمجة وستكون مهارة الشاعر وحساسيته العالية سبيلاً لتحقيق ذلك. إن المخطوطات القديمة والمخطوطات الشخصية، بكل أشكالها وانواعها، هي أساس نصِّ المخطوطة ومادتها الخام وقد يجري ذلك على وفق قدرة عالية يمتلكها الشاعر أساساً أو وفق قدرة ضعيفة، ولكن نصَّ المخطوطة المفتوح مازال أيضاً بكراً يمكن أن يكون بداية نوع جديد من الشعر.
5.نص الريبورتاج
وهو النص الذي يستثمر آليات الريبورتاج (التحقيق) الصحفي فهو يجري على وفق الطريقة التي يكتب بها التحقيق الصحفي ولكنه نصٌّ شعري حيث يتعين على الشاعر القيام بسياحة أفقية وعميقة في الموضوع الذي هو بصدده فيجري المقابلات مع الشخصيات الحقيقية والوهمية والتاريخية والأسطورية التي يريد لها الحضور ثم يصف المكان ويخترقه بأسئلة غريبة.
تشكل السخرية آلية مهمة من آليات نصِّ الريبورتاج إذ يتم عرض الحقائق والأفكار والأخيلة واستبطانها بالسخرية وجعلها معرضة هي الأخرى لسخريةٍ سوداء أو مباشرة. كذلك يشكل استنطاق الحقيقة الواحدة من عدة زوايا وبعدة طرق آلية ناضجة هي الأخرى.
إن الريبورتاج الصحفي يستقصي الحقائق ويوضح المستور في حين يقوم الريبورتاج الشعري باستقصاء الحقيقة الشعرية خلف الظواهر السطحية بمختلف الطرق، فهو وسيلة لاستنطاق هذه الحقيقة ولايمكن ان يكون غاية بذاتها، إن مايخلفه الريبورتاج الشعري من طرائق وأساليب وهياكل وتقاطعات وحوارات ستجعل الحقيقة الشعرية تتكشف خلف ستار شفيف من الأحداث وستجعلنا امام انتبهات جديدة عبر وسائل جديدة.
لقد نهضت رواية (مائة عام من العزلة) لماركيز من مران الخبرة الصحفية للكاتب ومن طرائق الريبورتاج الذي حفر هياكله هذه المرة في مناطق السرد، ويكون ماركيز بذلك الاجراء قد اخترع نمطاً جديداً من الرواية لاعتبارها (واقعيةً شعريةً) فقط بل باعتبارها رواية ريبورتاج من الطراز الرفيع. هذا مثلٌ من منطقة السرد يمكن أن يشير الى أعمالٍ ستكتب في منطقة الشعر من خلال النصِّ المفتوح.
ليست كتابة الريبورتاج وحدها تسَّربُ ميكانزمات وطرائق كتابة نص الريبورتاج المفتوح بل هناك خبرات أخر مثل صياغة الخبر وكتابة العمود الصحفي والاستطلاعات الصحفية والاستفتاء وغيرها. فالاستطلاع الصحفي مثلاً يوفر سياحة تاريخية ومعمقة في موضوع ما ويجري على كل مايخدم ذلك الموضوع.
إن أسلوب رصد المساحلات والحوارات والمناقشات يمكن أن يكون رافداً في كتابة نصِّ الريبوريتاج الشعري المفتوح.

ولعلّ مايفعله (الدراماتورغ) في المسرح يمكن أن يرفد هذا النص بالكثير، فهو الشخص الذي يقوم باختيار النصوص وتركيبها واعدادها وتبرير الشكل فيها وهو الذي يجمع المعلومات التاريخية ويتابع نمو الشخصيات وتطورها في المسرحية قبل العرض وقد يساهم مع المخرج في بناء المشهد والحركات والتكوين ويقترح شكلاً لها. إن لدراماتورغ قادرٌ على أن يوفر وظيفةً رائعة لكاتب النص المفتوح في اتباع سياقات هذه الأمور وجعلها تتوجه نحو الموضوع أو المادة الشعرية.
6.النص الباطني :
لعلّ هذا النوع من النصوص المفتوحة يتعارض من حيث التوجه مع جميع النصوص المفتوحة السابقة التي يمكن أن نسميها ب (النصوص الظاهرة) . إن هذا النص يسير في مناطق الباطن وهو نصُّ هيرمونطيقي (تأويلي) صرف فهو ينزل الى طبقات الأعماق ويتخذ له من المستوى الضمني مكاناً، إنه نصُّ يتحاشى الظاهر وينزلُ الى الأعماق الغائرة للغة والصورة والبلاغة والأسلوب. يمكن أن يكون النص الغنوصي أو الشعر الغنوصي كما أسميناه سابقاً أحد مسميات هذا النص الباطني لأنه يتخذ من فكرة الخلاص أساساً ولأنه يتتبع دورتي الفيض والعود الأبدي وحركتي النفس والروح ويستلهم الغنوص الأسطوري والديني والصوفي بشكل خاص. وقد قمنا بتنفيذ ذلك عبر (خزائيل) بشكل خاص. لكن النصَّ يبقى أوسع من الغنوصي فهو يحاول احتضان الكشف الباطني الذي كان من نصيب الأديان الخاصة ذات يوم.
يستطيع الشاعرُ أن يستلهم من الفلسفة الهرمسية أو الافلاطونية أو الافلوطينية أو من التصوف أو التشيع أو الاشراق آليات كتابة نصوص الباطن فهي تمنحنا القدرة على تقليب طبقات الباطن وتفجير أغوارها. ويستطيع الشاعر أن يستنبط له آليات خاصة من كل هذه الحقول الدينية والروحية، إن النص الباطني يقربنا من الينابيع الخفية للدين وهو، أيضاً، يقربنا من المناهل السرّية للجسد، فالجسد يلعب دوراً استثنائياً في رحلة الباطن سواء بنفيه للوصول الى الروح أو بتخصيبه للوصول الى النفس، أو بتلاقي الروح والنفس في حلقتي الاتصال والانفصال للفيض والعود الأبديين.
في النص الباطني تغور الحقائق التي تطفو على السطح وتأخذ لها مسرىً خفياً قد تنقلب الى عكس ما كانت تدلّ عليه في الخارج وقد تتحور بدرجة أو بأخرى وقد تلتبس وتتعتم وقد تشير الى جهات أخر غير جهتها، وهكذا يتحول الشاعر الى كاهنٍ يزداد صمته كلما توغل في الأقاصي، لكنه يهيج سياقات اللغة وهو في طريقه إلى هذه الأقاصي، إن المسرى العرفاني التي تجري فيه محطات الشاعر ستقوده إلى مستويات مدهشة من الرؤى والى صور لايصادفها وهو على السطح فهو مثل الذي يشاهد حلماً في هاوية سحيقة أو في سماوات لانهاية لها. وهكذا يمثل النص الباطني أقسى وأعمق النصوص المفتوحة فهو امتحان لجلد الروح وخصوبتها وقدرتها على التحرر والانعتاق الى العوالم البعيدة.
* * *
يمكننا أن ندرج أنواعاً أخرى من النصوص المفتوحة لكننا سنتوقف عند هذا الحد، مؤكدين على أن النصَّ المفتوح قادرٌ على إعادة إنتاج نفسه بطرق مختلفة وبأدوات واساليب مختلفة شرط أن يكون هناك تناغمٌ بين الحاجة لانتاج مثل هذه النصوص والأدوات والأساليب والأنواع المناسبة لهذه الحاجة وهو ماتستطيعه المواهب الكبيرة التي ستقدم على مثل هذه الأعمال.
لكننا يجب أن نؤكد على بعض الحقائق الهامة وهي أن النص المفتوح هو نصُّ شعري وليس نصاً لاجنس له أو عابراً للأنواع الأدبية بشكل خاص، إنه يقع أولاً في منطقة الشعر ثم نراه متنافذاً ومتداخلاً مع حقولٍ أخر، والحقيقة أن هذا الأمر لايعني انحيازاً مسبقاً للشعر بل يعني أن الشعرية هي مقياس الإبداع في النصوص الكتابية من حيث الاداء اولاً ومن حيث المضمون ثانياً ولذلك نشترط الشعر ملازماً للنصّ المفتوح فالنص المفتوح ليس جنساً جديداً مجاوراً الشعر بل هو جنسٌ شعري جديد له أنواع عديدة، إنه شعر قبل أن يكون أي شيء آخر، ولذلك لانرى في بعض نصوص السرد المختلفة عما هو سائد نصوصاً مفتوحة لأنها لاتقع في منطقة الشعر أصلاً.
الأمر الآخر الذي نودُّ أن نؤكده هو أنه بظهور النصّ المفتوح يكون تاريخ القصيدة قد انتهى أو أدى الى نمط لاعلاقة له بالقصيدة، فالقصيدة جنسٌ شعريٌّ هيمن على شكل ظهور الشعر لزمنٍ طويل جداً، والقصيدة بنوعيها الكبيرين (الموزون والمنثور) أي ( العمودي/ التفعيلة وقصيدة النثر) تكون قد وصلت الى نهاية انفرادها بالتعبير عن الشعر ويكون النص المفتوح جنساً منافساً للقصيدة في إنتاج الشعر وهكذا يضع النص المفتوح نفسه بمواجهة قصيدة النثر أيضاً فهو ليس امتداداً لها بل مفارقٌ لها وتوضع قصيدة النثر شاءت أم أبت مع قصيدة الوزن في خانةٍ واحدة لأنها قصيدة وليست نصاً مفتوحاً، فهل يمكننا القول أن زمن القصيدة أنتهى؟

د.خزعل الماجدي: الحب هو أعظم الأساطير الشخصية

في حوار خاص بدار الكشكول:
الشاعر والباحث والأديب العراقي د.خزعل الماجدي:

*كل ماضي البشرية كان غارقا في الاساطير
*اليوم ، بعد أن تحررت الأساطير من غلافها المقدس ، تحولت من الدين إلى الأدب
*أنا مع الحاسوب والنت تماما ولكني لا أضعهما بديلا للكتاب الورقي أبدا .
*الحب هو أعظم الأساطير الشخصية
*ما نحتاج إليه اليوم ليس العلم أو الدين أو الشعر ،بل نحتاج إلى طريقة حياة تخلصنا
من كل أخطاء البشرية الماضية والحاضرة
*الوطن هو المكان الذي يحميني ويمنحني الأمان ويشعرني بإنسانيتي



د.خزعل الماجدي

طالعاً من وردة الجرح العميق، مكابراً على الفقدان ولوعة الغياب، حمل أحلامه و غصّته ومضى. الوطن في البعيد يلوح حنيناً ذبيحاً، لكن روحه تبحث عن ضوء غريب. هل هي الأسطورة؟ هل هو الأبد؟ بم يحلم الغريب غربتين؟ ماذا يحاول؟ ما الذي يفعله الآن هذا القادم من أرض الأساطير إلى بلاد الثلج؟ وهل سيجد الشمس أم العشبة التي ضيّعها جلجامش؟
الدكتور خزعل الماجدي، الشاعر المبدع المجدّد والباحث الدؤوب الغزير الإنتاج يطبع بصماته المضيئة في المشهد الأدبي المعاصر، سواء على صعيد الإبداع الشعري أم في حقل الدراسات التاريخية والأدبية الضاربة في جذور الأساطير.




حاورته د.هدية الأيوبي:

-أبدأ من أبحاثك المتعمقة في الأساطير، ما الحيثيات التي جذبتك إلى الأسطورة ؟

*ربما شغفي بالأعالي وميلي إلى المُثل ، هذه المثل التي يجنح لها كل إنسان مفطور على الحب والخير والجمال ويؤمن بها دون النظر ألى خطورة التعلق بالمفاهيم الشمولية ، واليوم لابد أن أقول بصراحة أن المٌثل التي كانت أساس فلسفة أفلاطون إنما هي الأساطير ، لأنها نموذج إلهي كامل ولأنها قاصية في بدء الزمان ولأنها في المكان الأول قبل وأثناء وبعد خلق الكون ، لكن افلاطون لم يشأ تسميتها بالأساطير لأن الفلسفة كانت للتو قد تحررت من الأساطير وكوّنت حقلاً خاصاً بها .
الأسطورة كانت مخزن العقل كله في الماضي ففيها الشعر والعلم والتاريخ والفن والفلسفة ؛ كل هذه العناصر كانت مشفّرة بطريقة مقدسة في الأسطورة على شكل حكاية إلهية . وهذا بحد ذاته عامل جذب كبير .
الذين ينظرون للأساطير على انها خرافات لانفع فيها هم جهلة بل أغبياء ،لأنهم يحذفون ،بقصد أو دون قصد ، ثمانية أتساع المعرفة التي كان الماضي يسبح فيها (النسبة هذه مستعارة من جزء الجليد الذي يغطس في الماء ) ، كل ماضي البشرية كان غاطسا في الاساطير بهذا الشكل أو ذاك ، والحاضر أيضا يلتمع بها في كل حين.
واليوم ، بعد أن تحررت الأساطير من غلافها المقدس ، تحولت من الدين إلى الأدب وعلينا أن نستفيد منها تماما.


-بين الأسطورة والتاريخ علاقة اختلاف ..هل للواقع جذور أسطورية ؟

*الأسطورة ضد التاريخ ، فهي تؤسس لزمان ومكان مقدسين بينما التاريخ يؤسس لمكان وزمان عاديين . الأسطورة مسارها دائري والتاريخ مساره أفقي ، الاسطورة هي الماهية بينما التاريخ هو الصيرورة .الأسطورة حكاية إلهية بينما التاريخ حكاية بشرية وهكذا نرى التناقض بينهما واضحا . لكن هذا لايعني أن الاسطورة لم تصنع الواقع او تساهم في صنعه ،فالواقع لم تصنعه الاحداث والاقتصاد والسيا سة والحاجات الاجتماعية بل صنعته الأساطير أيضا ، لاحظي أن أي دين تكونه الاساطير وتشكل أحد مكوناته الرئيسية ، ومعروف ان الاديان لعبت اكبرالادوار في تأسيس الواقع وما
 زالت . ثم أن بنا حاجة أساسية للأساطير لأنها تشبع تطلعا خارقيا وماورائيا ومقدسا فينا . وهناك اليوم ما أسميه ب(الأسطورة الشخصية ) التي هي وريثة الأساطير الكبرى بعد أن خفت ضوء الأديان القديمة.
الجذور الأسطورية للواقع ترقد هناك في الاعماق وهي ذخيرة للجمال والخيال والشحنة الروحية والرموز والاركيتايب (النماذج البدئية ) التي بها يتشكل الفرد والجماعة نفسياً وحضارياً.


- على أية ضفة تجد ذاتك أكثر سطوعاً :الكتابة الأكاديمية أم الكتابة الشعرية ؟

*الشعر هو الأول في حياتي كلها وليس في الكتابة فقط ،فهو الموئل الذي أنهل منه بلا نهاية ، خصوصاً أنني اخترعت جوهرا ومجالا وينبوعا ومفهوما جديدا للشعر لا أعتقد أن هناك من ذهب إليه سابقا . لذلك تجديني أغرف من هذا البحر اللا متناهي والمتلاطم دون كلل او تعب حتى أنشط وأؤسس عقلي وروحي ونشاطي المعرفي .
ولاشك أن الكتابة الاكاديمة التي أمارسها قريبة جدا من حقل الشعر فأنا اشتغل في تاريخ الأديان وهو جزء من تاريخ الروح الذي انشغل به الشعر . وأكتب في نظرية الشعر ، وأشتغل أيضا في تاريخ الفن وهذه أيضا جزء من تاريخ الروح ، وبذلك ترين أني أمارس الشعر بمعناه الواسع والكبير على مستوى النص وعلى مستوى النظر . أي الشعرية و"الميتاشعرية" وهو ما يجعل تخاصب الحقلين كبيرا جدا .


-قلت إنك اخترعت مفهوما جديدا للشعر .. ما هو ؟

*في كتابي (العقل الشعري ) وهو كتاب كبير الحجم (800 صفحة ) كشفت عن منطقة العقل الشعري وحاولت وصفها بالكثير من البحوث والبيانات . وفيها تحدثت عن الركن الرابع من العقل البشري الذي كنت أراه مؤسسا عبرأربعة عقول أساسية هي (الشعري ، الديني ، الفلسفي ، العلمي ) ورأيت أن لكل من هذه العقول جوهر أو "داينمو" يحركه . لايمكنني في هذه العجالة توضيح كل شئ، لكني رأيت أن الشعر أكبر من أن يكون قصيدة أو نصّا. إنه طريقة كاملة لتفسير الحياة والنظر لها وهو قوة جبارة من قوى العقل البشري تشكل أعمق طبقاته وأخصبها وأكثرها فطرية وبدائية فهي مؤئل كل الجمال والعفوية
 وهيجانات الروح والنفس . لقد رأيت أن الدين ، كل الدين ، هو جزء من الشعر لكن العقيدة جمدته وكلّسته . وهكذا ...


- اشتهرت بقصيدة" أحزان السنة العراقية" .. ماذا وراء هذه القصيدة ؟

*"أحزان السنة العراقية" هو آخر أعمالي الشعرية ، وهو ليس قصيدة بل هو عمل شعري طويل يضم 365 قصيدة وضعتها على ضوء الروزنامة . فبعد أن وصلت التراجيديا العراقية إلى ذروتها في عام 2006 من قتل وتفجيرات ودمار وخراب لم يشهد له العراق مثيلا في كل تاريخه، وبعد أن نالني هذا الخراب حيث خُطف ولدي الصحفي (مروان ) ولا أعرف مصيره إلى اليوم ،وبعد أن هجرت العراق إثر ذلك قررت أن أكتب عملا مهما يعبر عن هذه السنة الفجائعية ، فكتبت قصيدة عن كل يوم من أيام السنة بعضها يعبر عن ماحدث في ذلك اليوم (على المستوى العام والشخصي والتاريخي ) وبعضها يتناول مشاهد الموت
 والرعب في عراق ممزق وجريح وهو على مشارف الموت .
أسميت العمل ب"أحزان السنة العراقية" لأني دوّنت شعرياً مشهد الحزن العراقي مجتمعاً في الحاضر والماضي .


-هل العمل عبارة عن (نص مفتوح ) كما تبشّر به في آخر طروحاتك النظرية في الشعر ؟

*لا .. العمل هو عبارة عن قصائد تجمعها صيغة الروزنامة ، وهو عمل جديد لم يسبق أن كتب فيه أحد بالصيغة التي كتبته فيها .

-ماذا عن (النص المفتوح ) .. هل توصلت إلى تحديد معالمه كناقد وومارسته كشاعر ؟

*شرحت هذا مفصلا في بياني الشعري الخامس عن ( النص المفتوح ) والذي تصدّر المجلد الثالث لأعمالي الشعرية ، وخلاصة ذلك أني أرى بأن النص المفتوح نوع شعري جديد أتى بعد قصيدة النثر ، ويختلف كليا عن قصيدة النثر في أنه طلاق مع فكرة وبنية القصيدة أصلا واعتماد مفهوم النثر نصا .
وبطبيعة الحال فقد كتبت منذ عام 1980 والى الآن أعمالا بل كتبا كاملة من النص المفتوح مثل (خزائيل ، عكازة رامبو ، حية ودرج ، خيط العبور وغيرها ) ، وكنت أجمع عدتي لكي أكتب عنه نظريا حتى جاء هذا البيان فعبر عنه تماما .
بمعنى آخر أني مارست أولا كتابة النص المفتوح لزمن طويل ثم كتبت نظريا عنه .


- صورة الكاتب في القرن العشرين أنه يجلس في المقهى مع سجائره وأوراقه ويكتب . أما في القرن الحادي والعشرين فالشاعر يحمل حاسوبه في كل مكان وزمان ويكتب ، هل مازال هناك من يدافع عن الكتاب الورقي ؟ ما رأيك ؟

*أنا من يدافع عن الكتاب الورقي رغم أني لا أفارق الحاسوب ، الحاسوب سهـّل مهمة الكتاب الورقي ولايمكن أن يكون بديلا عنه ،إنه يساعد الكتاب والأدباء والشعراء على أن ينجزوا أعمالهم بسرعة ويوصلوها بسرعة ولكن من أجل أن يكون هناك كتاب ورقي في الأخير . الحاسوب والنت كتابة ضوئية وأثيرية لا نلمسها ولا نراها .أما الكتاب فحميم وقٌد أصبح جزءا من الروح ومن تاريخ الروح ، أنا مع الحاسوب والنت تماما ولكني لا أضعهما بديلا للكتاب الورقي أبدا .

-أسأل عن تقنية الكتابة لأنني أشعر أن أيدينا ماعادت تجيد الكتابة بالقلم أو (النون ) الذي لم نعد نستخدمه إلا للتوقيع ، بين الكتابة بخط اليد والضرب على المفاتيح ماذا ربحنا وماذا خسرنا ؟

*أنا من الداعين لاستخدام الوسيلتين ، فالكتابة بخط اليد حرفة أصيلة لايمكن أن نستغني عنها أو نستبدلها ، وكذلك الضرب على المفاتيح لا يجوز إهماله أو عدم تعلمه . والحذر كل الحذر من أن يكون أحدهما بديلا عن الآخر وبذلك نكون قد ربحنا الاثنين . أنا شخصياً مازلت أكتب أعمالي (الإبداعية خاصةً ) باليد بل وبقلم الرصاص أو البصمة ومعي المحاية والمبراة .. وهذا يزيدني نشوة وولعا . لكني أنضد بعضها على الحاسوب وأخزنها وأرسلها وأحلم أن تظهر مطبوعة على الورق ، وهذا النظام أي (الكتابة باليد ، التنضيد ، الطباعة على الورق ) نظام متكامل لاأحبذ ثلمه أو التعامل مع بعضه دون الآخر .

-روى باولو كويلو في روايته الشهيرة (الخيميائي ) عن الأسطورة الشخصية ، هل العشق أسطورة ؟ وهل مازال ممكنا تحقيق هذه الاسطورة في الألفية الثالثة؟

*تحدثت شخصياً عن الأسطورة الشخصية كثيرا دون أن اعرف ما قاله باولو كويلو ، وأعتبرت أن الشعر هو نوع من الأساطير الشخصية ، بل وذهبت إلى أبعد من ذلك حين قلت أن لكل إنسان أسطورة أو أساطير شخصية بعضها يكون جزءًا من المقدس وبعضها يكون جزءًا من العاطفي وبعضها يكون جزءًا من الجمالي . وبذلك تكون الأسطورة الشخصية في نظري قائمة على جوهر مركب من (المقدس والعاطفي والجميل ) ويكون الحب أحد أشكالها وقد يكون العمل أو العلم أو الهواية مظاهر لها . إن الأسطورة الشخصية هي وارثة الأساطير العامة , شرحت هذا في الكثير من كتبي وأبحاثي وهو موجود في (العقل
 الشعري ) ليتنا نستطيع صياغة تلك الأساطير الشخصية في أشكال فنية وجمالية قد يكون الشعر أهمها .
الحب هو أعظم الأساطير الشخصية لأن فيه من الذات الكثير، ولأنه ينبع من وجدان عاطفي يحتدم بالرغبة والخوف وهي الينابيع نفسها التي تنبع منها الأسطورة بالمعنى الذي نعرفه . ثم أن الحب يحتوي على قوتين متماسكتين هما قوة الإيروس المحبة للحياة وقوة الباثوس المحبة للموت ، في الحب تناقضات واحتدامات لاتوفرها إلا دراما الأسطورة ، ولذلك سعيت إلى نحت مصطلح الأسطورة الشخصية من خلال الحب والشعر بشكل خاص باعتبارهما أساس هذه الأسطورة الشخصية .
وبكلام آخر، ما نحتاج إليه اليوم ليس العلم أو الدين أو الشعر ،بل نحتاج إلى طريقة حياة تخلصنا من كل أخطاء البشرية الماضية والحاضرة .وربما كان للأسطورة الشخصية دور في ذلك لكي نتحرر أيضا من قيود وشراك العقائد العلمانية والليبرالية التي تحولت إلى أيديولوجيات(فضلاً عن العقائد الدينية والحزبية ) ولنشق طريقاً جديداً باتجاه حرية الأنسان .


- ماذا بقي من الأمس العراقي في داخلك ؟ وأين تجد الوطن ؟

*للأسف الشديد تحول أغلب العراق عندي من جغرافيا إلى تاريخ ، ويبدو أن اهتمامي بتاريخه القديم قد جرف حاضره المعاش وحوله إلى تاريخ أيضاً لأني لم أعد أسكن فيه . ما زال الماضي القديم للعراق بحضارات سومر وأكد وبابل وأشور وآرام والسريان والمندائيين هو الذي يجذبني أكثر ، أشعر بتوجس وخوف عندما أدخل إلى تاريخه الأسلامي . أما حاضره فمجزرة حقيقية ، لاأميل إلى النظر فيها باحثا لكني تلمستها شعراً عبر أعمال شعرية هي (موسيقى لهدم البحر ، حية ودرج ، فلم طويل جدا ، أحزان السنة العراقية ) وهذه كتب صدرت ونشرت ، ومازلت أشعر برغبة لتعرية الواقع العراقي
 وكشف شبكة مأساته الداخلية العميقة ،وستظهر في أعمال إبداعية جديدة. العراق يسكن روحي وعقلي ويشرفني أني من هذا البلد العظيم بتاريخه وعقول أهله ومواهبهم .
العراق منجم للمواهب والعقول ، لكنها بعد أن تنضج وتتضح يطردها ويدفنها أحياناً ، ثم تستمر دورة إنتاج مواهب وعقول جديدة ليعيد طردها ودفنها وهكذا... هذه دورة لا تنتهي ، كأن العراق مشيمة خصبة في أوله ثم تنين مفترس في آخره . ولاتعرف لم هو هكذا ؟ لانعرف أية روح تسكنه ليكون هكذا ؟
لم يعد الوطن بالنسبة لي هو المكان الذي ولدت فيه فقط ، إنه المكان الذي يحميني ويمنحني الأمان ويشعرني بإنسانيتي .ولذلك وجدت (هولندا) وطناً لي الآن لأنها وفرت لي هذا وليس لأني أحب تغيير جلدي فأنا باسمي وبمنجزي معروف كعراقي إلى يوم الدين ، ولكن البلاد التي احترمتني وأعطتني حقوقي كإنسان في أكثر الظروف صعوبةً وحرجا عندما كان وطني الأم يطردني ويفترسني وينهب وينهش ولدي ، هذه البلاد هي وطني الآن وسأعتز بها إلى الأبد .
أعتقد أنها فرصة مناسبة لنعيد تعريف (الوطن ) و(المواطنة ) .

الخميس، 16 يونيو 2011

لنبكِ على ما جرى وإيانا نسيان ما أنتجته أرواحنا

 حوار مع الشاعر العراقي خزعل الماجدي


  لنبكِ على ما جرى وإيانا نسيان ما أنتجته أرواحنا 
الشعر كائن بدائي متوحش يمثل طهر الطبيعة وبكوريتها   
كلّ تفصيل في حياتي مضمّخ بالشعر  
احتضنت بقلبي كل الأديان وأحببتها دون تمييز أو تعصب . 

حاوره - هادي الحسيني / اوسلو 
  
المقدمة :
لم يعرف المشهد الثقافي العراقي برمته شاعراً مثابراً على مدى عقود طويلة  يحفر في أعماق الثقافة والتاريخ ويفتش بدقة متناهية عن كنوز الإبداع المتراكمة في تركة حضارة وادي الرافدين التي يمتد تاريخها إلى آلاف السنين مثل الشاعر العراقي الدكتور خزعل الماجدي المولود في مدينة كركوك عام 1951 فهو أبرز العلامات الشعرية في جيل السبعينات العراقي ، ذلك الجيل الذي اتخذ لنفسه كتابة مغايرة ميزته عن جيل الستينات وجيل الرواد . وفي أتون الصراع السياسي والثقافي والاجتماعي الذي كان يلهب الساحة العراقية استطاع خزعل الماجدي مع شعراء جيله أن يؤسس لنصوص شعرية جديدة جعلت من المؤسسة الثقافية حينذاك أن تحاربها . لكن بمرور الأيام فرضت تلك النصوص جرأتها وآلياتها على الساحة الثقافية وهذا ما جعل من الأجيال التي سبقتهم أن تحذو حذوهم لتنتقل الشعرية العراقية من مشهد قصيدة التفعيلة إلى قصيدة النثر وصولاً إلى كتابة النص المفتوح الذي قدمه الماجدي عن طريق مجموعته (حية ودرج ) .  فهو الشاعر الذي أنتج ما يقارب ثلاث مجلدات شعرية تناولت مراحل تطور الشعر العراقي منذ بداية عقد السبعينات وحتى يومنا هذا، وقد أصدر عشرات الكتب في حقل التاريخ والميثولوجيا والأديان القديمة ، كما ورفد المكتبة الثقافية بالكثير من الكتب الفكرية والثقافية وأبدع في المسرح ولا يزال خزعل الماجدي كثير العطاء في مشغله الشعري والفكري والتاريخي .. إنه منجم مهم من مناجم الثقافة العراقية والعربية . وخلال رحلته الأدبية الطويلة التي  ابتدأت بمجموعته الشعرية الأولى ( يقظة دلمون ) الصادرة عام 1980 تمكن الماجدي من لفت الأنظار إليه ليس على مستوى المشهد الشعري العراقي فحسب إنما على المستوى العربي أيضاً ، ومن ثم توالت مجاميعه الشعرية التي يتنقل بواسطتها في استكشافاته الجديدة وأطاريحه المغايرة انطلاقاً من لغة شعرية صافية ، وهذا ما أذهل النقاد ومتذوقي الشعر . وتوسع كثيراً في أبحاثه وأطاريحه لينال شهادة الدكتوراه في التاريخ القديم من معهد التاريخ العربي للدراسات العليا عام 1996 وشهادة دكتوراه دولة برتبة ( عالم باحث ) في فلسفة الديانات القديمة من جامعة الحضارة الإسلامية المفتوحة في بيروت لعام 2008 ، ولعل الشيء الذي يميز الشاعر خزعل الماجدي عن مجايليه من الشعراء انه اخلص للشعر وكرس جل جهده له وبطريقة المثابر الذي لا يتوقف عطاؤه على الرغم من كدمات الزمان التي لحقت بالبلاد بسبب الحروب المستمرة والحصار وما تلاها، إنه الشعلة المضيئة في تاريخ الشعر العراقي في أحلك وأصعب الأيام . وسأترك للقارئ عن طريق هذا الحوار أن يتعرف بعمق وبدقة متناهية  إلى هذا الشاعر المهم الذي أبدع كل الإبداع في توصيله للمفردة والصورة الشعرية التي ظلت لسنوات راكدة لا تتحرك حتى نزع عنها لجام الركود  لينطلق بها إلى فضاءات أوسع وأرحب محتفظاً بجماليتها وسرعة وصولها إلى قلب القارئ . الماجدي شاعر من الطراز الأول تقف له الثقافة العربية برمتها باحترام لمنجزه الكبير الذي سيبقى واحداً من المراجع المهمة في الشعر والتاريخ والفكر والميثولوجيا . وبعد أن استقر به المطاف أخيراً في احدى الدول الأوروبية تمكنت من إجراء هذا الحوار معه والذي يتحدث فيه وبثقة عالية عن حال الشعر العراقي والتطورات التي واكبت القصيدة في العراق وعن أبحاثه ودراساته في مشغله الثقافي الواسع وقد يكون هذا الحوار وثيقة مهمة بالنسبة للأجيال الشعرية الجديدة واللاحقة التي عليها أن تتعرف إلى  شعراء اخطر المراحل في تاريخ العراق ...
  
*  تنتج الشعرية العراقية في كل جيل من الأجيال منذ الرواد وحتى جيل التسعينات مجموعة كبيرة من الشعراء الذين يتصدرون المشهد الشعري ، وقد برز جيل السبعينات في العراق بانطلاقته الأولى ب 73 شاعراً ، لكنهم سرعان ما تواروا عن الأنظار ، ولم تبق إلا مجموعة قليلة أخلصت للشعر وأمسكت بجمراته  وأضافت أليه الكثير ، كيف تفسرون ظاهرة الاختفاء هذه بوصفكم أحد أبناء هذا الجيل ؟ وهل وقع الكثير منهم في فخاخ الأيديولوجيات ؟
- تشخيصك للظاهرة صحيح ولكنها لا تخص جيل السبعينات الشعري في العراق بل هي تخصّ كلّ جيل في كل مكان وزمان . ولنأخذ العراق مثلاً نوعياً لذلك . لقد شهدت الخمسينات ثم الستينات عدداً كبيراً من الشعراء الجدد ضمنها ، لكنهم سرعان ما تواروا وبقيت نخبة قليلة تواصل المسير وينطبق هذا على السبعينات والثمانينات والتسعينات بنفس الكيفية . وأسباب هذه الظاهرة كثيرة لعلّ أهمها أن هذا الكثير من الذين يظهرون وكأنهم شعراء ذلك العقد هم ، في الحقيقة ، طارئون على الشعر أصلاً منهم بلا مواهب حقيقية وربما كان الشعر وسيلة ظهور في الوسط الثقافي ليس غير ، ثم أن قدرتهم على المطاولة والإتيان بشعر جديد من الضعف بحيث لا تسمح لهم بالاستمرار ، وهناك إغراءات أو فخاخ الأيديولوجيا والوظيفة والمال والحياة الاجتماعية وغيرها الكثير .الشعر يحتاج إلى من ينذر له كل حياته باعتباره نوعاً من الخلاص الروحي والجمالي لا باعتباره وسيلة ظهور أدبي أو اجتماعي . وهذا لا يستطيع عليه إلا الندرة القليلة جداً من الناس . حمل الشعر ثقيل على الجسد خفيف على الروح ، فمن ذلك الذي يستطيع أن يعبر بالشعر بحور الحياة المتلاطمة ، ربما تمّر عقود ولا نجد أحداً ..
  
* كيف إذاً تفسر ظهور أجيال عقدية في العراق ؟
- هذه أجيال أدبية افرزتها تغيرات اجتماعية وسياسية بدلّت المناخ العام فتبدلت النفوس والأهواء . ومن بين هؤلاء الأدباء الجدد قد ينتبه شاعرٌواحد أو اثنان الى خطورة الشعر فيسلك الدرب فيه وقد يخونه الطريق ، لكن الشاعر الحقيقي وحده هو الذي يصل الى آخر الطريق مثل نبيّ أو عّراف . ظهور الأجيال الأدبية يخضع لظروف سياسية واجتماعية وظهور شاعر فريد يخضع لمخاض روحي خاص . الأمر يتعلق هنا بالكائن الفرد ، أيستطيع أن ينتبه لخطورة وأهمية الشعر . هذا هو التحدي !! الشعر ليس أدباً بل هو عدوّ الأدب . الشعر شرسٌ والأدب مدجّن ولذلك يصعب على الجميع الذهاب في هذا الطريق الصعب ..لكن جميع الشعراء مرتاحون لانهم ادباء فكيف سننتظر ظهور شاعر حقيقي؟

* ماذا تعني بذلك ؟ أنت تقوّض بديهية كون الشعر أدباً ؟
- نعم للاسف ، الشعر شيء والادب شيء آخر تماماً ، الشعر كائن بدائي متوحش الى حدّ كبير يبدو وكأنه ولد للتو وهو يمثل طهر الطبيعة وبكوريتها لانه متمرد على الأعراف ولانه محبّ للحرية في اقصى اشكالها . الأدب يختلف عن ذلك تماماً فهو نتاج المجتمع أولاً ثم نتاج الثقافة التي طوّرها هذا المجتمع وأشرفت على تهذيبه ، إنه وليد النظام والخبرة ولذلك تدخل الصناعة فيه كعامل أساس بينما ينفر الشعر من الصناعة بسبب بكوريته . الادبُ ، عادة ، متصالح مع الثقافة والمجتمع ، بينما الشعر مضادٌ للثقافة والمجتمع لأنه يهدد أنظمتها . وعندما نبتكرُ شعراً يتآلف مع الثقافة والمجتمع والأدب فإن هذا الشعر يكون عادياً لا قوة فيه ولا يعود مشحوناً بالروح الشرسة للشعر بل هو شعر تقليدي .. إنه شعر أدبي إن صح التعبير ..

* لنعد الى تجربتكم في العراق ، عام 1980 أصدر السبعينيون ثلاث مجموعات شعرية مهمة وهي دخان المنزل لسلام كاظم ووردة البحر لكمال سبتي ويقظة دلمون لخزعل الماجدي ، وهذه المجاميع الثلاث أستطاعت تغيير الذائقة الشعرية العراقية وكانت مؤشراً لكتابة مغايرة ، خاصة انها تتحدث عن المعرفة والجمال والانسان وتحولات الطبيعة والاحلام انطلاقاً من رموز ودلالات خاصة بها ، ألا تعتقد أن أصدار هذه المجاميع في تلك السنة كان تحدياً للسلطة خاصة وأن الوضع السياسي في العراق كان مرتبكاً وطبول الحرب مع ايران قد قرعت ؟
- أنا لا انظر للامر بهذا الشكل . فقد كان ظهور هذه المجاميع نتيجة طبيعية لاعلان ظهور جيل جديد في بداية السبعينات ، وقد استطاع بعضنا أن يطور أدواته ويظهر بشكل لائق في نهاية العقد . لكن ثورة جيل السبعينات الحقيقية في الشعر ظهرت اثناء عقد الثمانينات بشكل خاص . ففي هذا العقد ظهرت المضامين الروحية والجمالية لشعر السبعينات والتي فارقت ما كانت عليه قصائد الستينيين والخمسينيين تماماً. ثم ظهر عملي الشعري المطول ( خزائيل ) وهو أول نصّ مفتوح يكتب في العراق وكان بمنزلة كسر للتابو الذي كان يحيط الكتابة الشعرية النثرية وقصيدة النثر ولذلك تدفقت بعده قصائد النثر بلا حدود . وظهر المختبر السبعيني حاملاً أطيافاً جديدة في الاستفادة من الإرث الشرقي والدخول في أغوار التجريب الكيميائي الروحي من سحر وغنوصيات وتصوف وإشراق ، ثم ظهر إستعمال المادة الشعبية وكانت هناك منجزات نوعية كثيرة . وفي هذه المرحلة لم يتوقف زملاؤنا السبعينيون خارج العراق من انجازمشاريعهم الخاصة ايضاً والتي هي إضافة نوعية للشعر العراقي . وهكذا ترى المشهد باذخاً جمالياً وروحياً وشكلياً . أما من ناحية المضمون فقد عزفت هذه القصائد عن أن تكون ضمن آلة الحرب الطاحنة ثم ظهرت المراثي المريرة لما حصل لشعبنا ووقفت قصائدنا بوجه تيار المديح والتسول الذي كان يمارسه بعضهم . وظهر معنا جيل نشيط جديد هو جيل الثمانينات أعاننا على رفع راية الشعر الحقيقي والوقوف بوجه تزييف الشعر ثم قدّم هذا الجيل انجازاته الرائعة في الشعر .

* بعد عقدين ونيّف من الزمان خاض جيلكم السبعيني تجارب عديدة بقصيدة التفعيلة وقصيدة النثر وكتب النص المفتوح ، والاخير ما زالت الذائقة العربية لم تتقبله بشكل او بآخر ، وجاء الثمانينيون بتجربتهم المعتقة بالحرب والخراب ، ثم جاء التسعينيون بتجربتهم وما زالت الشعرية العراقية برمتها كمختبر كبير للتجربة الابداعية التي رفدت الشعرية العربية بعطاءات لا يمكن التغاضي عنها ، كيف تقوّمون هذه التجارب المتلاحقة والتي حركت المياه الآسنة بعد الركود الذي رافق  الشعر في الوطن العربي ؟
- الشعرية العراقية الحديثة كنز من كنوز الانسانية كلّها ، اليوم وبعد أن حصل ما حصل في الشعر العراقي منذ ستين عاما أرى أن هناك ظرورة شعرية حقيقية أظهرت لنا كل هذا الانتاج ولولا ديمومة الحراك الشعري منذ نهاية الاربعينات إلى يومنا هذا لما كنا حفلنا بكل هذا الانتاج الشعري المذهل . الثورة الشعرية في العراق هي واحدة من أكثر ثورات الشعر قوةً واصالة في الشعر الحديث لأنها انطوت على تجربة صراع حقيقية ، ولأنها جسّدت توقاً لحرية عميقة في الروح والفن . وصحيح أن الشعر العراقي جزءٌ من الشعر العربي الحديث لكّن له خصوصية نادرة فهو بالاضافة الى ريادته فانه ينطوي على خصائص اسلوبية ومضمونية خاصة به . كل شاعر متميز هو طريقة كاملة في الشعر . هناك اليوم ستة أجيال شعرية عراقية حديثة ( الرواد ، الخمسينيون ، الستينيون ، السبعينيون ، الثمانينيون ، التسعينيون ) كلّ جيل أنجزَ أنماطاً متفردة . وأزعم أن النقد العراقي كان عدواً للشعر العراقي فهو لم يتعب نفسه قط في فحص هذا التراث الشعري الهائل بل وقف معارضاً له في كثير من الأحيان . لو كان الامرُ بيدي لنشرت لكل شاعر عراقي حديث من هذه الاجيال شعره في مجلدات كاملة ولبيّنت صواب ما ذهب إليه . الشعر العراقي تناهبته الأهوال التي مرت على العراق مثلما تناهبت أهل العراق وماله وثرواته وأرضه وشعبه . دعنا نبكي على ما جرى ولكن اياك أو إيانا جميعاً نسيان ما أنتجته أرواحنا في سنين الصراع الدامي تلك .. علينا جميعاً أن نقف إجلالاً لكل الشعر العظيم الذي أنتجناه ونحن نمّر بعذاب الحروب والتهميش والجوع والحصار والثورات الفاشلة والخراب والمنافي والسلب والقتل والنهب والاحتلال والفساد والارهاب والديكتاتورية والطائفية . لقد كانت ألوان الحزن العراقي فريدة وقد صبغت شعرنا وحركت أرواحنا ، من جديد ، نحو المطلق الذي فينا أو في الاقاصي . ورغم المأساة على الأرض لكن النتائج كانت مدهشة على الشعر فقد ظهر تراث جديد زاخر يندر وجوده في عصرنا الحديث .
  
* هل كانت الأحداث الكبرى التي مررنا بها تكفي لانتاج شعر كهذا ؟
- لقد لعبناها جيداً ، لعبة الحداثة كتقنيات وأجناس جديدة. . ومرارة ما حصل لنا . هذه الخلطة الموفقة بين المادة والطريقة, بين الطين والقالب . كانت ماهرة حقاً . انظر الى الشعراء العراقيين جيداً وهم يتنافسون على الحديث في عزّ خرابهم الاجتماعي والسياسي . كانوا يحملون عدتهم وهم يقطرون دماً .. ويناورون بها في اتجاهات مختلفة مثل سلاح لا بد له من أن يعمل في ساعة خلاص .
  
* وهل نجحوا في ذلك ؟
- أيما نجاح .. لقد قدموا مذاقاً جديداً للشعر وكذلك مذاقاً جديداً للحياة عندما أجبروها على الاستجابة لهم . الجميع غفلوا عن التراجيديا الشعرية العراقية حتى زملاؤهم الشعراء العرب .. لكن الجميع سوف يفيقون ذات يوم على إنجاز بحجم الكارثة ما زال منثوراً هنا وهناك وفي الأدراج المقفلة ، في الإهمال والنسيان والمنافي والمقابر. سوف يظهر حجم الانجاز العراقي على حقيقته عندما نتخلى عن أنانيتنا ، نحن العراقيون ، ونجمع ما تساقط منّا من الجمال والألم ذات يوم .
  
*  الأُسطورة في شعر خزعل الماجدي ، دائماً حاضرة وبقوة ، ترى هل ان تواجدها نابع من كثرة قراءاتك في تاريخ العراق القديم والاديان ، خاصة وانك من الباحثين الذين رفدوا المكتبة العربية بالكثير من الكتب والبحوث التاريخية الخاصة بالعراق والبلاد العربية ؟ أ تعتقد أن أبحاثك وتعمقك الكبير فيها جعلت من الاسطورة شاخصة في دواوينك ؟ أم أنك تصنع الاسطورة بمهارة الشاعر ؟
- ما هي الاسطورة : إنها حكاية شعرية مقدسة ( عن إله ) تتحدث عن زمان ومكان بدئيين ( خارج التاريخ والعالم ) . والآن وبعد أن أختفت الآلهة ( وحلّ محلها إله واحد مفارق ) ، وبعد أن أصبح الانسان وجهاً لوجه أمام مصيره المحتوم وتفاصيل حياته الكثيرة ، وبعد أن اصبح الأمل في استعادة الزمان الإلهي البكوري عسيراً وأصبحنا نتقلب في طيّات تاريخ يصنعه الانسان لا الآلهة . وبعد أن تحول المكان الى جحيم ولم يعد هناك مكان بريء ومقدس . بعد كل هذا ماذا سنفعل بالأساطير ؟ ، لقد أصبحت عملياً غير نافعة لأنها تنطوي على تخليق أوهام تربك نظرتنا للحياة . ولذلك أقول لم يبق سوى الشعر مكاناً لها .. ولكنها نافرة لأن موضوعاتها ذات حصانة خاصة بها . ولذلك كان لابد من إجراء يضمن لنا فائدتها إذا دخلت الشعر . وأقولها بكل صراحة أن الجميع استعمل الأسطورة بطريقة ساذجة بل وبطريقة مباشرة وكولاجية ، وتحولت الاسطورة الى لافتة هي الأخرى ، نصلح بها أو نزين بها شعرنا . منذ السياب ومروراً بأدونيس وعبوراً نحو كل المحاولات الصغيرة للأجيال اللاحقة تحولت الاسطورة الى عكاز سهلٍ .
  
* كيف تعاملت أنت مع الاسطورة في شعرك ؟
- لقد فعلت ما يأتي: أولاً جعلت من المناخ الأسطوري مناخاً لشعري وبكلمة أخرى تخليت عن الاحداث والشخوص والحكاية في الاسطورة وجعلت من الشحنة التي تبعثها الأسطورة شحنة لشعري . لقد شحذت طاقة الاسطورة وليس تفاصيلها . ثانياً طحنت مادة الاسطورة وحولت طحينها الى غبار شعري ينتشرُ في مفاصل قصائدي ، ولذلك لن تعثر على هذا الغبار بسهولة ، ستشعر به لكن من الصعب التعرف إليه . ثالثاً رفعت الكثير من أحداث حياتي ، التي حولتها الى شعر ، الى مستوى اسطوري . اي انني رفعت الحدث العادي الى حدث اسطوري عن طريق تحويل الشعر الى اسطورة وليس العكس . خذ مثلاً مجاميع ( أناهيت ، خواتم الافعى ، حمام النساء في كركوك ، خيط العبور ، ركوكو .. الخ ) . ورابعاً جعلت من بكورية وبدئية الأحداث مادة لجمل ونصوص وقصائد تكوينية ( خليقية gensis  ) وبذلك صببت افتتاحيات التكوين الاسطورية في مفاصل شعري . وقد انتبه لهذا الإجراء الناقد ( ناظم عودة ) وأسماها ( الشكل التكويني ) وكانت انتباهته لافتة جداً . هذه الإجراءات وغيرها مما يصعب التنظير فيه كان كله بسبب ما اسميته أنت ( استغراقي في الاساطير ) وخصوصاً اساطير وادي الرافدين التي اعتبرها ( أم الاساطير ) في التاريخ . لقد تشربت الاساطير في روحي أولاً قبل أن احاول الاستفادة منها ولذلك تجدني أتعامل بها كاحدى مكوناتي الروحية قبل كل شيء .
  
* هل أنت صانع أساطير شعرية جديدة ؟
-   ربما .. ولكن دعني اقول لك انني أرى بأن ( الأسطورة ) في معناها القديم بنية شعرية جماعية نضحت من روح الجماعة و ( القصيدة / النص ) بنية شعرية فردية تنضح من روح الفرد المحتشد داخله بروح الجماعة عن طريق الرموز والأركيتايب ( النماذج البدئية ) . وهكذا أرى أن الشعر هو أسطورة فردية . في حين كانت الاسطورة شعراً جماعياً .
  
*لك تنظيرات كثيرة في الشعر ومراحله وتطوراته ، وقد اصدرت كتاباً في عام2004عن دار الشؤون الثقافية في بغداد عنوانه (العقل الشعري) كيف تحدثنا عن هذا الكتاب وعن الخلاصة التي خرجت فيها عن الشعرالعراقي؟    
-  ( النظرية الشعرية ) شيء مختلف كلياً عن ( النقد الشعري ) ولذلك جاء كتابي ( العقل الشعري ) كجزء من مسعى يحاول الدخول الى النظرية الشعرية . وقد صدر الكتاب بجزئين عام 2004 وهو أولاً يحاول أن يعيد ترتيب الشعر ونظرية الشعر بطريقة جديدة فهو يرى أنهما ( الشعر ونظريته ) جزء من العقل الشعري الذي هو العقل الأول في منظومة العقل الشعري المكون من أربعة عقول متداخلة ( الشعري ، الديني ، الفلسفي ، العلمي ) .  أرى أن العقل الشعري حاضر في حياة الانسان اليومية وهو المسؤول عن التعامل مع كل ما يخص الشعر والادب والفن ، إنه عقل لا يبحث عن الحقيقة ( كما في العقول الأخرى ) بل هو يكشف أغوار الانسان التي تميل نحو المدهش والجميل والغامض والغريب والشاذ . إنه عقل اندرج ، مع الاسف ، في هامش اهتمامات الانسان العادي لكنه ، كما أرى ، أهم من العقول الأخرى المكبلة بالأيديولوجيا أكثر منه . إنه العقل الذي يسبب الإبداع . لقد حاولت أن أرصد طبيعة وشكل وتكوين هذا العقل الشعري في كتابي هذا .
  
* تبدو فكرتك جديدة ومن الواضح تماماً أنك تحاول إعادة الاعتبار لـ ( عقل شعري ) أهمله حتى النقاد ؟
- بالضبط . الشعراء لاهون عن العقل الشعري بنصوصهم ولا وقت ولا مزاج لهم للتنقيب عن مصدر الشعرية وكيفية حصولها فالمهم عندهم نجاح نصوصهم . النقاد بعيدون عن هذا الموضوع ، الفلاسفة والعلماء والمؤمنون في عقولهم لا يبارحونها . لقد كانت أمامي فرصة نادرة للتنظير بهذا الاتجاه ثم حاولت فتح مغاليق كثيرة واكتشاف أرضٍ جديدة . وقد أعانتني معرفتي المتواضعة بما كان عليه الشعر في الحضارات القديمة بشكل خاص وكذلك ما فعلته الحداثة في الشعر من تحولات جذرية . واليوم أتطلع لإكمال أجزاء جديدة من العقل الشعري لأن هناك الكثير الذي اكتشفته لاحقاً ، وربما ستشهد الأعمال القادمة ظهور هذه الأجزاء وبظهورها يكون المشروع النظري قد انجز .

* في ظلّ الأحداث المرعبة التي عصفت بالعراق منذ عقود ، كيف ترى الخسارات المتتالية والفقدان والمنفى والهجرة التي كلها تضغط عليك كشاعر عراقي وجد نفسه خارج وطنه ؟
- تراجيديا العراق المعاصر سكنت أرواحنا وعقولنا منذ عرفنا أننا في هذا الوطن نعيش منذورين له ولا يعيش هو وثرواته منذوراً لنا ، وقد بدأت الخسارات منذ أصغينا لدويّ الثورات والشعارات الطنّانة وعندما تستّر النظام السابق بشعارات براقة رافقها عنف اجتماعي وسياسي أدركت أننا ذاهبون الى الهاوية . وهكذا انكشفت الأحداث عن قتل ونفي وتشريد وفقدان وهجرة وضياع . كل المعاني السلبية انطوت في بذرة بداية كانت ستينية الفضاء بعد سقوط الملكية وظهور الجمهورية ثم توالت عقود التراجيديا . لم يكن هناك عقلاءٌ ومفكرون وفلاسفة يحذروّن من عاصفة التراجيديا التي ستأكلنا جميعاً .. كان الكلّ يطبّل على طريقته .. حتى إذا ما بدأ الخراب هرب الجميع ولاذوا بالليبرالية والديمقراطية وتمجيد النظام الملكي ، اين كانوا ساعة قرع الطبول ؟ لقد خُدعنا غير مرة . كان الشعر عزائي الوحيد في هذه الخسارات ، لعلّه الوسيلة التي استطيعها لتسجيل هذه الغفلة وهذه الخديعة وهذا الخراب وهذا النفي . تمنيت أن أكون روائياً لأسجل برهافة ودقة مضمون ما حصل . لكن الشعر لا يتركني ابداً . أول كتاباتي الشعرية عن هذه الخسارات كانت في منتصف الثمانينات عندما كتبت مجموعة ( موسيقى لهدم البحر ) المنشورة في المجلد الثاني من أعمالي الشعرية والتي اكملتها في منتصف التسعينات ثم جاءت ( حيّة ودرج ) في عام 1993 . ثم فلم طويل جداً عام 2003 . واليوم أعمل بمشروع كبير هو "احزان السنة العراقية" وهواً يرصد ما حصل بعد عام 2003 ورعب الارهاب والدمار . وانت تعرف أن المنفى سوف يكون حاضراً بقوة رغم أني كنت ، عملياً ، خارج العراق منذ عام 1995 .
  
* في السنوات الاخيرة عزمت على جمع تجاربك الشعرية في قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر والنص المفتوح بمجلدات صدر الاول عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر وثمة مجلد ثان وثالث انجزته او رابع بعدها  ، نود أن تحدثنا عن هذه المؤلفات ،هل جمعت فيها خلاصة تجاربك الشعرية ؟ وهل رفضت نشر بعض القصائد التي تحس أنها لا تمثلك ، قد تكون كتبتها في بداياتك الاولى مثلاً ؟
- في عام 2001 صدر المجلد الاول من أعمالي الشعرية وضّم ست مجاميع من قصائد النثر وهي ( أطلس شرقي ، فيزياء مضادة ، قصائد الصورة ، أناهيت ، إسمعي رمادي .. إسمعي موسيقا الذهب ، مخطوطات غجرية ) مع مقدمة عن الشعر الشرقي .. وفي عام 2005 صدر المجلد الثاني وضمّ سبع مجاميع كان أغلبها من قصائد التفعيلة وهي ( يقظة دلمون ، أناشيد اسرافيل ، الياقوتات ، موسيقا لهدم البحر ، خواتم الأفعى ، وحيداً عند عمود السماء ، السومرية أحلام في اتضاح جحيمها وفراديسها العالية ) مع مقدمة عن السحري والايروسي في الشعر . . وفي عام 2008 صدر المجلد الثالث وضم ست مجاميع من النصوص المفتوحة وهي ( عكازة رامبو ، حية ودرج ، خيط العبور ، حمام النساء في كركوك ، ركوكو ، فلم طويل جداً ) مع مقدمة عن النص المفتوح .. وسوف يصدر في عامي 2009 و 2010 المجلدان الرابع والخامس ، وسوف يكون المجلد الرابع مكرساً ل ( خزائيل ) بكتبه الاثني عشر مع مقدمة عن الشعر الغنوصي . أما المجلد الخامس فسوف يكون ( أحزان السنة العراقية ) مع مقدمة عن الحوليات الشعرية . وهما تحت الطبع الآن . ولعلك تلاحظ بأنني أسير في خطوط منتظمة الاصدار كل نتاجي الشعري على وفق أجناسية خاصة بيّ . والحقيقة أن هذه المجلدات تضم كل شعري ولم اضطر لحذف شيء لأني اعتزّ بكل ما كتبت أما البدايات الأولى فقد أهملتها منذ صدور المجموعة الاولى ليّ ( يقظة دلمون ) فقد ضمت كل ما أخترته في السبعينات وبذلك اكون قد أهملت بعضاً من شعري لأنها ظهرت في 1980 . ومع صدور المجلد الخامس وربما السادس بعده أكون قد أكملت رسالتي الشعرية نصوصاً وبذلك يمكن الاطلاع على كل تجربتي في هذه المجلدات من دون شك .
  
* أنت الأغزر شعراً في جيلك وربما سوف تكون الاغزر شعراً في الشعر العراقي ، كيف تفسر غزارتك الشعرية ؟
- أنا لا اعيش إلاّ من أجل الشعر . أعيش الحياة بكل تفاصيلها ولكني لا أغفل عن الشعر أبداً . كلّ تفصيل في حياتي مضمّخ بالشعر ولعلك ترى هذه الفسيفساء الشعرية في مجلداتي وانا اليوم أكثر إصراراً على أن الشعر هو خلاصي الأول في هذا العالم لأني أجد فيه ذخيرة عمري كله . كتبتُ عن أفراحي وأتراحي وعن دواخلي وعن أساطيري وعن النساء اللائي عرفتهن وكتبت عن مأساتي وكتبت عن بلدي وعن روحي وعن جسدي وكتبت عن ضعفي وهيامي وعذابي وخوفي وشكوكي .. الشعر جمعني ككائن مصنوع من الكلمات ودونني في أديم الزمان . ولعل تفسير غزارتي أنني صاحب مشاريع شعرية لا صاحب قصائد أو مجاميع شعرية . أنا أدخل بين الحين والحين في مشروع شعري كبير يستغرق سنوات حتى يكتمل . والمهم ليس الغزارة بل المهم هو النوع الشعري واتمنى أن أكون قد نجحت في بعض قصائدي ونصوصي وقدمت شيئاً مفيداً للشعر والقارئ.
  
* ننتقل الآن من الشعر وشجونه الجميلة التي دائماً تمد الانسان بالقوة والصبر لتغيير أخطاء العالم الى تجربتك في المسرح ، أتعتقد أن الشاعر لابد له أن يخوض تجربة الكتابة المسرحية خاصة وأن غالبية الشعراء الكبار في العالم لهم تجارب كبيرة في المسرح ؟
- تجربتي في المسرح هي واحدة من اهم التجارب التي خضتها والتي اثرت ايجابياً في الشعر . المسرح هو أهم مخاصبة لشعري بعد الاسطورة واصبحت له طبقات جديدة . دخلت عناصر الحوار والدراما والواقع في شعري بعد أن خضت في المسرح . لا أعتقد أن على كل شاعر أن يخوض في المسرح ولكني أقول إذا كانت عند الشاعر حاجة للكتابة للمسرح فعليه أن يخوضها دون تردد وإذا وجد أنه قادر على تقديم شيء جديد للمسرح فعليه أن يستمر حتى يقدم ذلك الشيء .
  
* وهل قدّمت شيئاً للمسرح ؟ وما هو بالضبط ؟
- أعتقد ذلك ، لاني زاوجت بين تقاليد المسرح الحديث وتقاليد الشعر الحديث . لقد انتبهت الى أن ما عرفناه من ( المسرح الشعري ) في عصرنا العربي لم يتعد تلك المسرحيات المنظومة شعراً والتي كان ابرزها نماذج شوقي وصلاح عبد الصبور . وقد كنت أراها مملة بسبب النظم . ولذلك قررتُ معالجة ( المسرح الشعري ) بطريقة جذرية كان أساسها إلغاء النظم الشعري والاعتماد على المضمون الشعري والعناية بالحوار ذات الطبيعة الشعرية وإعلاء شأن المخيلة والعناية بالصورة وغيرها وأزعم أني وضعت أساساً جديداً لما يمكن أن يكون عليه ( المسرح الشعري الحديث ) الذي أراه واضحاً في أعمالي المسرحية .
  
* أعتقد أن المسرح العراقي يتفوق كثيراً على التلفزيون والسينما في العراق وله مكانة مرموقة داخل الوطن العربي ولطالما حصد الكثير من الجوائز في العديد من المهرجانات ، كيف تقوّمون الواقع المسرحي العراقي بعد الهجرة الكبيرة التي قوّضت مرافق الثقافة العراقية، ما أدى إلى شل الحركة المسرحية تماماً ، وما هي السبل الكفيلة للخروج من هذه الازمة الثقافية والتي هي واحدة من الكثير من أزمات الثقافة العراقية في ظل الاوضاع الراهنة ؟
- المسرح العراقي يقف في طليعة المسرح العربي ، وما زالت بذرته حيّة وقادرة على إثبات أعمال جديدة وكبيرة . المسرح العراقي يعاني في الداخل من الاجراءات الموضوعية والامكانات المادية ومن أخطاء إدارية كثيرة .. لكنه كفنٍ ما زال حياً ويمكن أن يستعيد عافيته بسرعة . المسرحيون الشباب هم مفتاح الحل في معالجة أزمة المسرح العراقي وبفتح الابواب لهم واعطائهم المجال يمكنهم أن يجددوا روح المسرح العراقي إنهم أمناء على المستوى الرفيع الذي كان المسرح العراقي يظهر به . لكني ، معى الأسف ، لمحت تعطيلاً لدورهم وتهميشاً لهم وأنا أدعو لرفع الحيف عنهم فهم ثروتنا الحقيقية . انا تماماً مع أن يعتمد المبدعون على أنفسهم في الانتاج ولكن ليس الآن بل في مستقبل قريب أو قادم ، أما الآن فيجب إيقاف الابداع على قدميه أولاً بدعم لا محدود من الدولة له. وحينما يتعافى ندعه يقف ويمشي ويركض وحده . هناك من يطالب المبدعين من الآن أن يصنعوا قطاعاً خاصاً لهم وألاّ يعتمدوا على دعم المؤسسات الحكومية . وينسون أننا في العراق المحطم المدمر الممزق الذي صُبت عليه كل آلآم السماء والأرض .. ينسون أن مثقفنا ما زال يخاف من ظله . يريدون أحلاماً وردية ونحن في التراب . البداية بالدعم المتواصل ثم التنظيم ثم الاعتماد على النفس . ويجب أن تقوم الدولة بفعل أساسي في البداية . وخصوصاً في قطّاع المسرح الذي يحتاج كثيراً الى مثل هذا الدعم . 
  
* ومن المسرح وهمومه المؤلمة نود أن تحدثنا عن الانعطافة التاريخة المهمة في حياتك انطلاقا من تاريخ العراق القديم وتاريخ الاديان ، كيف كانت قراءاتك الاولى للتاريخ القديم وبحثك الدؤوب في التنقيب عن الصغيرة والكبيرة لهذه الحضارة العظيمة التي لها الفضل الاول على البشرية في الكثير من مرافق الحياة ؟
- كانت ثقافة العراق القديم جزءاً مهماً من ثقافتي منذ السبعينات وكنت أجمع كل شاردة وواردة عن حضارة وادي الرافدين ، وبعد عشرين سنة من القراءة والتتبع وجدت نفسي أحفظ اسماء ونصوص واحداث ذلك التاريخ بسهولة ويسر . كنت اتحدث عن مائه من الآلهة السومرية مثلاً مثلما اتحدث عن الذكريات مع اصدقائي وكانت المدن واسماء الملوك والأحداث تجري على لساني بسهولة وعذوبة . في منتصف الثمانينات وجدت نفسي أكتب فصول كتاب جديد وغريب في الوقت نفسه اسمه ( سفر سومر ) نشرته على فصول في مجلة ( الاديب المعاصر ) التي كانت تصدر عن اتحاد الأدباء في العراق . ثم اصدرته في كتاب كامل عام 1990 وكان جمعاً منظماً وإعادة كتابة وشرح للأساطير السومرية . واذكر أن أدونيس أرسل لي رسالة تحثني على أن استمر في هذا المشروع لبقية حضارات العراق والمنطقة . وكتبت ( سفر بابل ) . لكّن الحدث الأهم في حياتي هو انني التحقت عام 1993 بمعهد التاريخ العربي للدراسات العليا وهو معهد تابع لجامعة الدول العربية ، ودرست التاريخ وأوليت تاريخ وحضارة وادي الرافدين اهتمامي الأكبر حتى كتبت اطروحة الدكتوراه عن ( الطب وعلاقته بالسحر والأسطورة والدين في وادي الرافدين ) واشرف عليّ الدكتور فوزي رشيد استاذ الكتابة المسمارية ومدير المتحف العراقي . وما أن تخرجت حتى طبعت الأطروحة بعنوان ( بخور الآلهة ) .. ثم وسّعت ( سفر سومر ) و ( سفر بابل ) وأضفت لهما مادة البحث الاكاديمي ونشرتهما تحت عنوانين جديدين هما : ( إنجيل سومر ) و ( إنجيل بابل ) .
  
* ولكنك واصلت مشروعاً كبيراً في تاريخ الاديان !؟
- نعم .. فقد اتفقت مع دار الشروق في عمّان على اصدار سلسلة كبيرة من الكتب تصل الى ( 30 ) كتاباً عن تاريخ وعلم الأديان وقد أصدرت منها إلى الآن عشرة كتب تقريباً وسأواصل المشروع . ولعله المشروع الاكبر في حياتي . والذي وسّعتُ فيه دائرة اهتماماتي خارج وادي الرافدين .
  
* وماذا عن مؤلفاتك في علم الأساطير ( الميثولوجيا ) ؟
- استمرت كتبي الأخرى خارج المشروع السابق فصدرت ليّ كتب كثيرة كان أغلبها في علم الأساطير ( الميثولوجيا ) . فقد أصابتني حمى البحث ولم أتوقف عنها إلى اليوم . أصبح مشروعي هذا جزءاً من روحي وعقلي وأنا اليوم به سعيد . لكن اهتمامي بتراث وحضارة وتاريخ وادي الرافدين يبقى هو الاساس لاني أشعر بالإقتراب من قاعي الروحيّ وهو ما يلامس شعري أيضاً وما أنهل منه في المسرح أحياناً .
  
* بعد وصولك الى العاصمة الاردنية عمّان أواخر عقد التسعينات من القرن الماضي ، أذكر جيداً أنك أعتكفت في غرفتك لشهور وأنجزت العديد من الكتب عن تاريخ العراق القديم والاديان ، هل كان تفرغك لهذا المشروع هو وضع اللمسات الاخيرة لمشروعات كانت مؤجلة فأنجزتها بعد أن تهيأ لك فضاء واسع من الحرية ؟
- بدأت بالتردد على ( عمّان ) بعد حرب الخليج الثانية ( 1991 ) . أما تنظيم النشر فيها فقد بدأ منذ عام 1995 ، وأنت تتحدث عن المرحلة التي كنت قد نشرت فيها الكثير من الكتب وواصلت عملي في هذه المرحلة بإنجاز كتب جديدة عندما أجّرت غرفة وبدأت أقضي ساعات طويلة في البحث عن المصادر في المكتبات والكتابة وتصحيح التنضيد والاشراف على الطباعة .. كانت أجمل سنين حياتي فقد انجزتُ تأليف ونشر ما يقرب من عشر كتب ما بين ( 1995 - 2000 ) رغم أني ذهبت الى ليبيا في نهاية عام 1998 للتدريس في جامعة درنة . لكن حماس النشر ظل يلازمني وما زال إلى الآن .

* وكم أصبح عدد كتبك في هذا الحقل ؟
- إثنان وعشرون كتاباً .

* وهل أثر هذا المناخ سلباً في شعرك ؟ هل تلمست جوهراً ما في اهتمامك بالحضارات والاديان والاساطير ؟
- بالتأكيد .. لقد نضح في روحي الكثير الكثير واصطبغت هذه الروح بألوان جديدة أراها اليوم مثل قوس قزح اتنقل بين ألوانها وبساتينها والتقط منها الكثير من الكنوز . دعني أقول لك أن اهتمامي بهذا الحقل كان مثل الموشور الذي عندما سقط عليه الشعر تحّول الى ألوان قزحية نادرة ، وقد صارت هذه الألوان فرشاتي في كتابة الشعر . كنتُ أقول دائماً أن كنوز الروح الكبرى تساقطت في حقل الاديان وها أنا أعيدها الى الشعر الذي هو أحق بها . لقد كانت استفادتي من هذا الحقل لا حدود لها وأنا اليوم أدين له بأغلب خبراتي الروحية خاصة . ثم لاحظ انني احتضنت بقلبي كل الأديان وأحببتها دون تمييز أو تعصب ووجدت فيها المحفزات الكبرى للتعرف إلى المطلق أو تأمله .

* ما هو جديد خزعل الماجدي في الشعر والتنظير والمسرح والأبحاث ، خاصة وانك تقيم منذ مدّة في مدينة أوروبية تمنحك فضاءات واسعة وتهيئ لك الاجواء الصافية التي يرغب فيها الكاتب دائماً لمواصلة مشروعاته المؤجلة أو التي كان يحلم بأنجازها ؟
- دعني اقول أولاً بأني خرجت من العراق عام 2006 جريحاً فقد خطف الارهابيون ولديّ البكر ، وكادت عائلتي تتمزق على أثر هذا الحادث لولا أني وقفت على اقدامي ووجدت لي ملاذاً آمناً . لن تصدق إذا قلتُ لك إن الكتابة كانت هي القوة التي جعلتني امتصّ ألمي وحزني وجعلتني أقف على أقدامي . كانت الكتابة مليئة بالدمع في انتظار أن يعود ولديّ .. وخصوصاً الشعر عزاءً حقيقياً وطاقة خلاّقة أعطتني الصبر والقوة ومكنتني من المقاومة . ولذلك ملأت وقتي هذا بالكتابة في مختلف الحقول . في الشعر أنا في صدد إنهاء أكبر مشروع شعري يجمع بين مأساتي ومأساة بلدي وبأثني عشر جزءاً اسميته ( أحزان السنة العراقية ) وسوف يصدر قريباً في مجلد شعريّ هو المجلد الخامس من أعمالي الشعرية ، وفي الشعر ايضاً سوف تظهر ليّ أعمال جديدة منها ( ربما .. من يدري ) و ( فلم طويل جداً ) و ( حينما ماء القلب ) .. وفي التنظير الشعري أسعى الى إكمال الجزء الثالث من ( العقل الشعري ) أما في المسرح فكتبت عملين مسرحيين هما ( نصب الحرية ) و ( نساء السواد ) ربما يظهر الأول منهما في وقت قريب على الخشبة . في الحضارات والأديان انجزت ( الميثولوجيا المندائية ) وأعمل على اللمسات الأخيرة لكتابي ( تأويل جلجامش ) وهو ترجمة جديدة لجلجامش وتفسير جديد لها . أعمل بكل هذه الكتب ليل نهار وعيناي مليئتان بالدموع في انتظار أن يعود لي ولديّ ...