التسميات

‏إظهار الرسائل ذات التسميات حوارات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات حوارات. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 30 نوفمبر 2011

خزعل الماجدي: شعري من تراجيديا العراق



خزعل الماجدي: شعري من تراجيديا العراق

عندما قررت أن يكون الإطار العام أو الشكل العام للمجموعة كروزنامة شعرية لمدة سنة، وجدت نفسي ملزما أن أدون 365 قصيدة، لكل يوم قصيدة
لا بد من القول إنني خسرت الكثير بسبب بقائي في العراق مدغما في أدب عام لبلد تحكمه عقيدة سياسية راديكالية
رغبت أن أكتب ملحمة العراق التراجيدية التي تتناسب مع ما حصل له على مدى أربعين عاما 

حاورته زهرة مروة


يُعتبر الشاعر العراقي خزعل الماجدي أحد أبرز شعراء السبعينيات في العراق، وقد عمل مع أبناء جيله على التجديد في الشعر، واصلا بالتجريب إلى أمداء عديدة من قصيدة التفعيلة إلى قصيدة النثر وصولا إلى النص المفتوح الذي اعتمده في ديوان "حية ودرج". له ثلاثة مجلدات شعرية، كما أن له كتباً كثيرة في التاريخ والأديان والميثولوجيا، وهو أيضا مؤلف مسرحي.

الاثنين، 15 أغسطس 2011

أفول الدكتاتوريّات الشعريّة



أفول الدكتاتوريّات الشعريّة
 حاوره :علي السومري
 
 تاريخ النشر       14/08/2011 12:00 AM
 

خزعل الماجدي:
شاعر وباحث سومري الجذور؛ كان الشعر، بالنسبة اليه، جوهر حياته ولولاه لما كان، فهو الذي صنعه وسط كوارث وعتمة هذه الأمة والوطن. إنه الشاعر الدكتور خزعل الماجدي الذي دأب منذ زمن طويل على قراءة ما تجود به أرض العراق القديم من رقيمات طين، مدوناً إياها في كتب ورقية؛ تحاول إعادة هيبة حضارة قرضتها الأفكار الشوفينية. في هذا الحوار الذي أجرته معه «الأسبوعية» يجيب الماجدي عن أسئلة متشعبة، لكنها تنبثق من بؤرة واحدة؛ رؤية الواقع في خضمّ العاصفة الفكرية والسياسية.


الأربعاء، 22 يونيو 2011

خزعل الماجدي : الدور التنويري للأدب والشعر في العراق



خزعل الماجدي : الدور التنويري للأدب والشعر في العراق يتراجع تمهيداً لسيادة أدب الظلام

أجرى الحوار- كاظم حسوني

خزعل الماجدي... من ابرز فرسان الجيل الشعري السبعيني في العراق، رؤاه الجذرية في الشعر جعلته شيخ طريقة شعرية لها مناصروها، لكن الشعر قاده الى عوالم الاسطورة والتاريخ القديم ليكون باحثاً بارزاً في هذا الشأن، تشهد على ذلك كتبه التي بلغت العشرات حاملة الجديد والمبتكر، اضافة الى ذلك فهو كاتب مسرحي ومؤرشف للسينما العراقية، نطاق بحث واسع واشتغالات كثيرة كانت محور اسئلة حوارنا معه في هذا العدد من (ادب وثقافة) المخصص لتجربته.

السبت، 18 يونيو 2011

د.خزعل الماجدي: الحب هو أعظم الأساطير الشخصية

في حوار خاص بدار الكشكول:
الشاعر والباحث والأديب العراقي د.خزعل الماجدي:

*كل ماضي البشرية كان غارقا في الاساطير
*اليوم ، بعد أن تحررت الأساطير من غلافها المقدس ، تحولت من الدين إلى الأدب
*أنا مع الحاسوب والنت تماما ولكني لا أضعهما بديلا للكتاب الورقي أبدا .
*الحب هو أعظم الأساطير الشخصية
*ما نحتاج إليه اليوم ليس العلم أو الدين أو الشعر ،بل نحتاج إلى طريقة حياة تخلصنا
من كل أخطاء البشرية الماضية والحاضرة
*الوطن هو المكان الذي يحميني ويمنحني الأمان ويشعرني بإنسانيتي



د.خزعل الماجدي

طالعاً من وردة الجرح العميق، مكابراً على الفقدان ولوعة الغياب، حمل أحلامه و غصّته ومضى. الوطن في البعيد يلوح حنيناً ذبيحاً، لكن روحه تبحث عن ضوء غريب. هل هي الأسطورة؟ هل هو الأبد؟ بم يحلم الغريب غربتين؟ ماذا يحاول؟ ما الذي يفعله الآن هذا القادم من أرض الأساطير إلى بلاد الثلج؟ وهل سيجد الشمس أم العشبة التي ضيّعها جلجامش؟
الدكتور خزعل الماجدي، الشاعر المبدع المجدّد والباحث الدؤوب الغزير الإنتاج يطبع بصماته المضيئة في المشهد الأدبي المعاصر، سواء على صعيد الإبداع الشعري أم في حقل الدراسات التاريخية والأدبية الضاربة في جذور الأساطير.




حاورته د.هدية الأيوبي:

-أبدأ من أبحاثك المتعمقة في الأساطير، ما الحيثيات التي جذبتك إلى الأسطورة ؟

*ربما شغفي بالأعالي وميلي إلى المُثل ، هذه المثل التي يجنح لها كل إنسان مفطور على الحب والخير والجمال ويؤمن بها دون النظر ألى خطورة التعلق بالمفاهيم الشمولية ، واليوم لابد أن أقول بصراحة أن المٌثل التي كانت أساس فلسفة أفلاطون إنما هي الأساطير ، لأنها نموذج إلهي كامل ولأنها قاصية في بدء الزمان ولأنها في المكان الأول قبل وأثناء وبعد خلق الكون ، لكن افلاطون لم يشأ تسميتها بالأساطير لأن الفلسفة كانت للتو قد تحررت من الأساطير وكوّنت حقلاً خاصاً بها .
الأسطورة كانت مخزن العقل كله في الماضي ففيها الشعر والعلم والتاريخ والفن والفلسفة ؛ كل هذه العناصر كانت مشفّرة بطريقة مقدسة في الأسطورة على شكل حكاية إلهية . وهذا بحد ذاته عامل جذب كبير .
الذين ينظرون للأساطير على انها خرافات لانفع فيها هم جهلة بل أغبياء ،لأنهم يحذفون ،بقصد أو دون قصد ، ثمانية أتساع المعرفة التي كان الماضي يسبح فيها (النسبة هذه مستعارة من جزء الجليد الذي يغطس في الماء ) ، كل ماضي البشرية كان غاطسا في الاساطير بهذا الشكل أو ذاك ، والحاضر أيضا يلتمع بها في كل حين.
واليوم ، بعد أن تحررت الأساطير من غلافها المقدس ، تحولت من الدين إلى الأدب وعلينا أن نستفيد منها تماما.


-بين الأسطورة والتاريخ علاقة اختلاف ..هل للواقع جذور أسطورية ؟

*الأسطورة ضد التاريخ ، فهي تؤسس لزمان ومكان مقدسين بينما التاريخ يؤسس لمكان وزمان عاديين . الأسطورة مسارها دائري والتاريخ مساره أفقي ، الاسطورة هي الماهية بينما التاريخ هو الصيرورة .الأسطورة حكاية إلهية بينما التاريخ حكاية بشرية وهكذا نرى التناقض بينهما واضحا . لكن هذا لايعني أن الاسطورة لم تصنع الواقع او تساهم في صنعه ،فالواقع لم تصنعه الاحداث والاقتصاد والسيا سة والحاجات الاجتماعية بل صنعته الأساطير أيضا ، لاحظي أن أي دين تكونه الاساطير وتشكل أحد مكوناته الرئيسية ، ومعروف ان الاديان لعبت اكبرالادوار في تأسيس الواقع وما
 زالت . ثم أن بنا حاجة أساسية للأساطير لأنها تشبع تطلعا خارقيا وماورائيا ومقدسا فينا . وهناك اليوم ما أسميه ب(الأسطورة الشخصية ) التي هي وريثة الأساطير الكبرى بعد أن خفت ضوء الأديان القديمة.
الجذور الأسطورية للواقع ترقد هناك في الاعماق وهي ذخيرة للجمال والخيال والشحنة الروحية والرموز والاركيتايب (النماذج البدئية ) التي بها يتشكل الفرد والجماعة نفسياً وحضارياً.


- على أية ضفة تجد ذاتك أكثر سطوعاً :الكتابة الأكاديمية أم الكتابة الشعرية ؟

*الشعر هو الأول في حياتي كلها وليس في الكتابة فقط ،فهو الموئل الذي أنهل منه بلا نهاية ، خصوصاً أنني اخترعت جوهرا ومجالا وينبوعا ومفهوما جديدا للشعر لا أعتقد أن هناك من ذهب إليه سابقا . لذلك تجديني أغرف من هذا البحر اللا متناهي والمتلاطم دون كلل او تعب حتى أنشط وأؤسس عقلي وروحي ونشاطي المعرفي .
ولاشك أن الكتابة الاكاديمة التي أمارسها قريبة جدا من حقل الشعر فأنا اشتغل في تاريخ الأديان وهو جزء من تاريخ الروح الذي انشغل به الشعر . وأكتب في نظرية الشعر ، وأشتغل أيضا في تاريخ الفن وهذه أيضا جزء من تاريخ الروح ، وبذلك ترين أني أمارس الشعر بمعناه الواسع والكبير على مستوى النص وعلى مستوى النظر . أي الشعرية و"الميتاشعرية" وهو ما يجعل تخاصب الحقلين كبيرا جدا .


-قلت إنك اخترعت مفهوما جديدا للشعر .. ما هو ؟

*في كتابي (العقل الشعري ) وهو كتاب كبير الحجم (800 صفحة ) كشفت عن منطقة العقل الشعري وحاولت وصفها بالكثير من البحوث والبيانات . وفيها تحدثت عن الركن الرابع من العقل البشري الذي كنت أراه مؤسسا عبرأربعة عقول أساسية هي (الشعري ، الديني ، الفلسفي ، العلمي ) ورأيت أن لكل من هذه العقول جوهر أو "داينمو" يحركه . لايمكنني في هذه العجالة توضيح كل شئ، لكني رأيت أن الشعر أكبر من أن يكون قصيدة أو نصّا. إنه طريقة كاملة لتفسير الحياة والنظر لها وهو قوة جبارة من قوى العقل البشري تشكل أعمق طبقاته وأخصبها وأكثرها فطرية وبدائية فهي مؤئل كل الجمال والعفوية
 وهيجانات الروح والنفس . لقد رأيت أن الدين ، كل الدين ، هو جزء من الشعر لكن العقيدة جمدته وكلّسته . وهكذا ...


- اشتهرت بقصيدة" أحزان السنة العراقية" .. ماذا وراء هذه القصيدة ؟

*"أحزان السنة العراقية" هو آخر أعمالي الشعرية ، وهو ليس قصيدة بل هو عمل شعري طويل يضم 365 قصيدة وضعتها على ضوء الروزنامة . فبعد أن وصلت التراجيديا العراقية إلى ذروتها في عام 2006 من قتل وتفجيرات ودمار وخراب لم يشهد له العراق مثيلا في كل تاريخه، وبعد أن نالني هذا الخراب حيث خُطف ولدي الصحفي (مروان ) ولا أعرف مصيره إلى اليوم ،وبعد أن هجرت العراق إثر ذلك قررت أن أكتب عملا مهما يعبر عن هذه السنة الفجائعية ، فكتبت قصيدة عن كل يوم من أيام السنة بعضها يعبر عن ماحدث في ذلك اليوم (على المستوى العام والشخصي والتاريخي ) وبعضها يتناول مشاهد الموت
 والرعب في عراق ممزق وجريح وهو على مشارف الموت .
أسميت العمل ب"أحزان السنة العراقية" لأني دوّنت شعرياً مشهد الحزن العراقي مجتمعاً في الحاضر والماضي .


-هل العمل عبارة عن (نص مفتوح ) كما تبشّر به في آخر طروحاتك النظرية في الشعر ؟

*لا .. العمل هو عبارة عن قصائد تجمعها صيغة الروزنامة ، وهو عمل جديد لم يسبق أن كتب فيه أحد بالصيغة التي كتبته فيها .

-ماذا عن (النص المفتوح ) .. هل توصلت إلى تحديد معالمه كناقد وومارسته كشاعر ؟

*شرحت هذا مفصلا في بياني الشعري الخامس عن ( النص المفتوح ) والذي تصدّر المجلد الثالث لأعمالي الشعرية ، وخلاصة ذلك أني أرى بأن النص المفتوح نوع شعري جديد أتى بعد قصيدة النثر ، ويختلف كليا عن قصيدة النثر في أنه طلاق مع فكرة وبنية القصيدة أصلا واعتماد مفهوم النثر نصا .
وبطبيعة الحال فقد كتبت منذ عام 1980 والى الآن أعمالا بل كتبا كاملة من النص المفتوح مثل (خزائيل ، عكازة رامبو ، حية ودرج ، خيط العبور وغيرها ) ، وكنت أجمع عدتي لكي أكتب عنه نظريا حتى جاء هذا البيان فعبر عنه تماما .
بمعنى آخر أني مارست أولا كتابة النص المفتوح لزمن طويل ثم كتبت نظريا عنه .


- صورة الكاتب في القرن العشرين أنه يجلس في المقهى مع سجائره وأوراقه ويكتب . أما في القرن الحادي والعشرين فالشاعر يحمل حاسوبه في كل مكان وزمان ويكتب ، هل مازال هناك من يدافع عن الكتاب الورقي ؟ ما رأيك ؟

*أنا من يدافع عن الكتاب الورقي رغم أني لا أفارق الحاسوب ، الحاسوب سهـّل مهمة الكتاب الورقي ولايمكن أن يكون بديلا عنه ،إنه يساعد الكتاب والأدباء والشعراء على أن ينجزوا أعمالهم بسرعة ويوصلوها بسرعة ولكن من أجل أن يكون هناك كتاب ورقي في الأخير . الحاسوب والنت كتابة ضوئية وأثيرية لا نلمسها ولا نراها .أما الكتاب فحميم وقٌد أصبح جزءا من الروح ومن تاريخ الروح ، أنا مع الحاسوب والنت تماما ولكني لا أضعهما بديلا للكتاب الورقي أبدا .

-أسأل عن تقنية الكتابة لأنني أشعر أن أيدينا ماعادت تجيد الكتابة بالقلم أو (النون ) الذي لم نعد نستخدمه إلا للتوقيع ، بين الكتابة بخط اليد والضرب على المفاتيح ماذا ربحنا وماذا خسرنا ؟

*أنا من الداعين لاستخدام الوسيلتين ، فالكتابة بخط اليد حرفة أصيلة لايمكن أن نستغني عنها أو نستبدلها ، وكذلك الضرب على المفاتيح لا يجوز إهماله أو عدم تعلمه . والحذر كل الحذر من أن يكون أحدهما بديلا عن الآخر وبذلك نكون قد ربحنا الاثنين . أنا شخصياً مازلت أكتب أعمالي (الإبداعية خاصةً ) باليد بل وبقلم الرصاص أو البصمة ومعي المحاية والمبراة .. وهذا يزيدني نشوة وولعا . لكني أنضد بعضها على الحاسوب وأخزنها وأرسلها وأحلم أن تظهر مطبوعة على الورق ، وهذا النظام أي (الكتابة باليد ، التنضيد ، الطباعة على الورق ) نظام متكامل لاأحبذ ثلمه أو التعامل مع بعضه دون الآخر .

-روى باولو كويلو في روايته الشهيرة (الخيميائي ) عن الأسطورة الشخصية ، هل العشق أسطورة ؟ وهل مازال ممكنا تحقيق هذه الاسطورة في الألفية الثالثة؟

*تحدثت شخصياً عن الأسطورة الشخصية كثيرا دون أن اعرف ما قاله باولو كويلو ، وأعتبرت أن الشعر هو نوع من الأساطير الشخصية ، بل وذهبت إلى أبعد من ذلك حين قلت أن لكل إنسان أسطورة أو أساطير شخصية بعضها يكون جزءًا من المقدس وبعضها يكون جزءًا من العاطفي وبعضها يكون جزءًا من الجمالي . وبذلك تكون الأسطورة الشخصية في نظري قائمة على جوهر مركب من (المقدس والعاطفي والجميل ) ويكون الحب أحد أشكالها وقد يكون العمل أو العلم أو الهواية مظاهر لها . إن الأسطورة الشخصية هي وارثة الأساطير العامة , شرحت هذا في الكثير من كتبي وأبحاثي وهو موجود في (العقل
 الشعري ) ليتنا نستطيع صياغة تلك الأساطير الشخصية في أشكال فنية وجمالية قد يكون الشعر أهمها .
الحب هو أعظم الأساطير الشخصية لأن فيه من الذات الكثير، ولأنه ينبع من وجدان عاطفي يحتدم بالرغبة والخوف وهي الينابيع نفسها التي تنبع منها الأسطورة بالمعنى الذي نعرفه . ثم أن الحب يحتوي على قوتين متماسكتين هما قوة الإيروس المحبة للحياة وقوة الباثوس المحبة للموت ، في الحب تناقضات واحتدامات لاتوفرها إلا دراما الأسطورة ، ولذلك سعيت إلى نحت مصطلح الأسطورة الشخصية من خلال الحب والشعر بشكل خاص باعتبارهما أساس هذه الأسطورة الشخصية .
وبكلام آخر، ما نحتاج إليه اليوم ليس العلم أو الدين أو الشعر ،بل نحتاج إلى طريقة حياة تخلصنا من كل أخطاء البشرية الماضية والحاضرة .وربما كان للأسطورة الشخصية دور في ذلك لكي نتحرر أيضا من قيود وشراك العقائد العلمانية والليبرالية التي تحولت إلى أيديولوجيات(فضلاً عن العقائد الدينية والحزبية ) ولنشق طريقاً جديداً باتجاه حرية الأنسان .


- ماذا بقي من الأمس العراقي في داخلك ؟ وأين تجد الوطن ؟

*للأسف الشديد تحول أغلب العراق عندي من جغرافيا إلى تاريخ ، ويبدو أن اهتمامي بتاريخه القديم قد جرف حاضره المعاش وحوله إلى تاريخ أيضاً لأني لم أعد أسكن فيه . ما زال الماضي القديم للعراق بحضارات سومر وأكد وبابل وأشور وآرام والسريان والمندائيين هو الذي يجذبني أكثر ، أشعر بتوجس وخوف عندما أدخل إلى تاريخه الأسلامي . أما حاضره فمجزرة حقيقية ، لاأميل إلى النظر فيها باحثا لكني تلمستها شعراً عبر أعمال شعرية هي (موسيقى لهدم البحر ، حية ودرج ، فلم طويل جدا ، أحزان السنة العراقية ) وهذه كتب صدرت ونشرت ، ومازلت أشعر برغبة لتعرية الواقع العراقي
 وكشف شبكة مأساته الداخلية العميقة ،وستظهر في أعمال إبداعية جديدة. العراق يسكن روحي وعقلي ويشرفني أني من هذا البلد العظيم بتاريخه وعقول أهله ومواهبهم .
العراق منجم للمواهب والعقول ، لكنها بعد أن تنضج وتتضح يطردها ويدفنها أحياناً ، ثم تستمر دورة إنتاج مواهب وعقول جديدة ليعيد طردها ودفنها وهكذا... هذه دورة لا تنتهي ، كأن العراق مشيمة خصبة في أوله ثم تنين مفترس في آخره . ولاتعرف لم هو هكذا ؟ لانعرف أية روح تسكنه ليكون هكذا ؟
لم يعد الوطن بالنسبة لي هو المكان الذي ولدت فيه فقط ، إنه المكان الذي يحميني ويمنحني الأمان ويشعرني بإنسانيتي .ولذلك وجدت (هولندا) وطناً لي الآن لأنها وفرت لي هذا وليس لأني أحب تغيير جلدي فأنا باسمي وبمنجزي معروف كعراقي إلى يوم الدين ، ولكن البلاد التي احترمتني وأعطتني حقوقي كإنسان في أكثر الظروف صعوبةً وحرجا عندما كان وطني الأم يطردني ويفترسني وينهب وينهش ولدي ، هذه البلاد هي وطني الآن وسأعتز بها إلى الأبد .
أعتقد أنها فرصة مناسبة لنعيد تعريف (الوطن ) و(المواطنة ) .

الخميس، 16 يونيو 2011

لنبكِ على ما جرى وإيانا نسيان ما أنتجته أرواحنا

 حوار مع الشاعر العراقي خزعل الماجدي


  لنبكِ على ما جرى وإيانا نسيان ما أنتجته أرواحنا 
الشعر كائن بدائي متوحش يمثل طهر الطبيعة وبكوريتها   
كلّ تفصيل في حياتي مضمّخ بالشعر  
احتضنت بقلبي كل الأديان وأحببتها دون تمييز أو تعصب . 

حاوره - هادي الحسيني / اوسلو 
  
المقدمة :
لم يعرف المشهد الثقافي العراقي برمته شاعراً مثابراً على مدى عقود طويلة  يحفر في أعماق الثقافة والتاريخ ويفتش بدقة متناهية عن كنوز الإبداع المتراكمة في تركة حضارة وادي الرافدين التي يمتد تاريخها إلى آلاف السنين مثل الشاعر العراقي الدكتور خزعل الماجدي المولود في مدينة كركوك عام 1951 فهو أبرز العلامات الشعرية في جيل السبعينات العراقي ، ذلك الجيل الذي اتخذ لنفسه كتابة مغايرة ميزته عن جيل الستينات وجيل الرواد . وفي أتون الصراع السياسي والثقافي والاجتماعي الذي كان يلهب الساحة العراقية استطاع خزعل الماجدي مع شعراء جيله أن يؤسس لنصوص شعرية جديدة جعلت من المؤسسة الثقافية حينذاك أن تحاربها . لكن بمرور الأيام فرضت تلك النصوص جرأتها وآلياتها على الساحة الثقافية وهذا ما جعل من الأجيال التي سبقتهم أن تحذو حذوهم لتنتقل الشعرية العراقية من مشهد قصيدة التفعيلة إلى قصيدة النثر وصولاً إلى كتابة النص المفتوح الذي قدمه الماجدي عن طريق مجموعته (حية ودرج ) .  فهو الشاعر الذي أنتج ما يقارب ثلاث مجلدات شعرية تناولت مراحل تطور الشعر العراقي منذ بداية عقد السبعينات وحتى يومنا هذا، وقد أصدر عشرات الكتب في حقل التاريخ والميثولوجيا والأديان القديمة ، كما ورفد المكتبة الثقافية بالكثير من الكتب الفكرية والثقافية وأبدع في المسرح ولا يزال خزعل الماجدي كثير العطاء في مشغله الشعري والفكري والتاريخي .. إنه منجم مهم من مناجم الثقافة العراقية والعربية . وخلال رحلته الأدبية الطويلة التي  ابتدأت بمجموعته الشعرية الأولى ( يقظة دلمون ) الصادرة عام 1980 تمكن الماجدي من لفت الأنظار إليه ليس على مستوى المشهد الشعري العراقي فحسب إنما على المستوى العربي أيضاً ، ومن ثم توالت مجاميعه الشعرية التي يتنقل بواسطتها في استكشافاته الجديدة وأطاريحه المغايرة انطلاقاً من لغة شعرية صافية ، وهذا ما أذهل النقاد ومتذوقي الشعر . وتوسع كثيراً في أبحاثه وأطاريحه لينال شهادة الدكتوراه في التاريخ القديم من معهد التاريخ العربي للدراسات العليا عام 1996 وشهادة دكتوراه دولة برتبة ( عالم باحث ) في فلسفة الديانات القديمة من جامعة الحضارة الإسلامية المفتوحة في بيروت لعام 2008 ، ولعل الشيء الذي يميز الشاعر خزعل الماجدي عن مجايليه من الشعراء انه اخلص للشعر وكرس جل جهده له وبطريقة المثابر الذي لا يتوقف عطاؤه على الرغم من كدمات الزمان التي لحقت بالبلاد بسبب الحروب المستمرة والحصار وما تلاها، إنه الشعلة المضيئة في تاريخ الشعر العراقي في أحلك وأصعب الأيام . وسأترك للقارئ عن طريق هذا الحوار أن يتعرف بعمق وبدقة متناهية  إلى هذا الشاعر المهم الذي أبدع كل الإبداع في توصيله للمفردة والصورة الشعرية التي ظلت لسنوات راكدة لا تتحرك حتى نزع عنها لجام الركود  لينطلق بها إلى فضاءات أوسع وأرحب محتفظاً بجماليتها وسرعة وصولها إلى قلب القارئ . الماجدي شاعر من الطراز الأول تقف له الثقافة العربية برمتها باحترام لمنجزه الكبير الذي سيبقى واحداً من المراجع المهمة في الشعر والتاريخ والفكر والميثولوجيا . وبعد أن استقر به المطاف أخيراً في احدى الدول الأوروبية تمكنت من إجراء هذا الحوار معه والذي يتحدث فيه وبثقة عالية عن حال الشعر العراقي والتطورات التي واكبت القصيدة في العراق وعن أبحاثه ودراساته في مشغله الثقافي الواسع وقد يكون هذا الحوار وثيقة مهمة بالنسبة للأجيال الشعرية الجديدة واللاحقة التي عليها أن تتعرف إلى  شعراء اخطر المراحل في تاريخ العراق ...
  
*  تنتج الشعرية العراقية في كل جيل من الأجيال منذ الرواد وحتى جيل التسعينات مجموعة كبيرة من الشعراء الذين يتصدرون المشهد الشعري ، وقد برز جيل السبعينات في العراق بانطلاقته الأولى ب 73 شاعراً ، لكنهم سرعان ما تواروا عن الأنظار ، ولم تبق إلا مجموعة قليلة أخلصت للشعر وأمسكت بجمراته  وأضافت أليه الكثير ، كيف تفسرون ظاهرة الاختفاء هذه بوصفكم أحد أبناء هذا الجيل ؟ وهل وقع الكثير منهم في فخاخ الأيديولوجيات ؟
- تشخيصك للظاهرة صحيح ولكنها لا تخص جيل السبعينات الشعري في العراق بل هي تخصّ كلّ جيل في كل مكان وزمان . ولنأخذ العراق مثلاً نوعياً لذلك . لقد شهدت الخمسينات ثم الستينات عدداً كبيراً من الشعراء الجدد ضمنها ، لكنهم سرعان ما تواروا وبقيت نخبة قليلة تواصل المسير وينطبق هذا على السبعينات والثمانينات والتسعينات بنفس الكيفية . وأسباب هذه الظاهرة كثيرة لعلّ أهمها أن هذا الكثير من الذين يظهرون وكأنهم شعراء ذلك العقد هم ، في الحقيقة ، طارئون على الشعر أصلاً منهم بلا مواهب حقيقية وربما كان الشعر وسيلة ظهور في الوسط الثقافي ليس غير ، ثم أن قدرتهم على المطاولة والإتيان بشعر جديد من الضعف بحيث لا تسمح لهم بالاستمرار ، وهناك إغراءات أو فخاخ الأيديولوجيا والوظيفة والمال والحياة الاجتماعية وغيرها الكثير .الشعر يحتاج إلى من ينذر له كل حياته باعتباره نوعاً من الخلاص الروحي والجمالي لا باعتباره وسيلة ظهور أدبي أو اجتماعي . وهذا لا يستطيع عليه إلا الندرة القليلة جداً من الناس . حمل الشعر ثقيل على الجسد خفيف على الروح ، فمن ذلك الذي يستطيع أن يعبر بالشعر بحور الحياة المتلاطمة ، ربما تمّر عقود ولا نجد أحداً ..
  
* كيف إذاً تفسر ظهور أجيال عقدية في العراق ؟
- هذه أجيال أدبية افرزتها تغيرات اجتماعية وسياسية بدلّت المناخ العام فتبدلت النفوس والأهواء . ومن بين هؤلاء الأدباء الجدد قد ينتبه شاعرٌواحد أو اثنان الى خطورة الشعر فيسلك الدرب فيه وقد يخونه الطريق ، لكن الشاعر الحقيقي وحده هو الذي يصل الى آخر الطريق مثل نبيّ أو عّراف . ظهور الأجيال الأدبية يخضع لظروف سياسية واجتماعية وظهور شاعر فريد يخضع لمخاض روحي خاص . الأمر يتعلق هنا بالكائن الفرد ، أيستطيع أن ينتبه لخطورة وأهمية الشعر . هذا هو التحدي !! الشعر ليس أدباً بل هو عدوّ الأدب . الشعر شرسٌ والأدب مدجّن ولذلك يصعب على الجميع الذهاب في هذا الطريق الصعب ..لكن جميع الشعراء مرتاحون لانهم ادباء فكيف سننتظر ظهور شاعر حقيقي؟

* ماذا تعني بذلك ؟ أنت تقوّض بديهية كون الشعر أدباً ؟
- نعم للاسف ، الشعر شيء والادب شيء آخر تماماً ، الشعر كائن بدائي متوحش الى حدّ كبير يبدو وكأنه ولد للتو وهو يمثل طهر الطبيعة وبكوريتها لانه متمرد على الأعراف ولانه محبّ للحرية في اقصى اشكالها . الأدب يختلف عن ذلك تماماً فهو نتاج المجتمع أولاً ثم نتاج الثقافة التي طوّرها هذا المجتمع وأشرفت على تهذيبه ، إنه وليد النظام والخبرة ولذلك تدخل الصناعة فيه كعامل أساس بينما ينفر الشعر من الصناعة بسبب بكوريته . الادبُ ، عادة ، متصالح مع الثقافة والمجتمع ، بينما الشعر مضادٌ للثقافة والمجتمع لأنه يهدد أنظمتها . وعندما نبتكرُ شعراً يتآلف مع الثقافة والمجتمع والأدب فإن هذا الشعر يكون عادياً لا قوة فيه ولا يعود مشحوناً بالروح الشرسة للشعر بل هو شعر تقليدي .. إنه شعر أدبي إن صح التعبير ..

* لنعد الى تجربتكم في العراق ، عام 1980 أصدر السبعينيون ثلاث مجموعات شعرية مهمة وهي دخان المنزل لسلام كاظم ووردة البحر لكمال سبتي ويقظة دلمون لخزعل الماجدي ، وهذه المجاميع الثلاث أستطاعت تغيير الذائقة الشعرية العراقية وكانت مؤشراً لكتابة مغايرة ، خاصة انها تتحدث عن المعرفة والجمال والانسان وتحولات الطبيعة والاحلام انطلاقاً من رموز ودلالات خاصة بها ، ألا تعتقد أن أصدار هذه المجاميع في تلك السنة كان تحدياً للسلطة خاصة وأن الوضع السياسي في العراق كان مرتبكاً وطبول الحرب مع ايران قد قرعت ؟
- أنا لا انظر للامر بهذا الشكل . فقد كان ظهور هذه المجاميع نتيجة طبيعية لاعلان ظهور جيل جديد في بداية السبعينات ، وقد استطاع بعضنا أن يطور أدواته ويظهر بشكل لائق في نهاية العقد . لكن ثورة جيل السبعينات الحقيقية في الشعر ظهرت اثناء عقد الثمانينات بشكل خاص . ففي هذا العقد ظهرت المضامين الروحية والجمالية لشعر السبعينات والتي فارقت ما كانت عليه قصائد الستينيين والخمسينيين تماماً. ثم ظهر عملي الشعري المطول ( خزائيل ) وهو أول نصّ مفتوح يكتب في العراق وكان بمنزلة كسر للتابو الذي كان يحيط الكتابة الشعرية النثرية وقصيدة النثر ولذلك تدفقت بعده قصائد النثر بلا حدود . وظهر المختبر السبعيني حاملاً أطيافاً جديدة في الاستفادة من الإرث الشرقي والدخول في أغوار التجريب الكيميائي الروحي من سحر وغنوصيات وتصوف وإشراق ، ثم ظهر إستعمال المادة الشعبية وكانت هناك منجزات نوعية كثيرة . وفي هذه المرحلة لم يتوقف زملاؤنا السبعينيون خارج العراق من انجازمشاريعهم الخاصة ايضاً والتي هي إضافة نوعية للشعر العراقي . وهكذا ترى المشهد باذخاً جمالياً وروحياً وشكلياً . أما من ناحية المضمون فقد عزفت هذه القصائد عن أن تكون ضمن آلة الحرب الطاحنة ثم ظهرت المراثي المريرة لما حصل لشعبنا ووقفت قصائدنا بوجه تيار المديح والتسول الذي كان يمارسه بعضهم . وظهر معنا جيل نشيط جديد هو جيل الثمانينات أعاننا على رفع راية الشعر الحقيقي والوقوف بوجه تزييف الشعر ثم قدّم هذا الجيل انجازاته الرائعة في الشعر .

* بعد عقدين ونيّف من الزمان خاض جيلكم السبعيني تجارب عديدة بقصيدة التفعيلة وقصيدة النثر وكتب النص المفتوح ، والاخير ما زالت الذائقة العربية لم تتقبله بشكل او بآخر ، وجاء الثمانينيون بتجربتهم المعتقة بالحرب والخراب ، ثم جاء التسعينيون بتجربتهم وما زالت الشعرية العراقية برمتها كمختبر كبير للتجربة الابداعية التي رفدت الشعرية العربية بعطاءات لا يمكن التغاضي عنها ، كيف تقوّمون هذه التجارب المتلاحقة والتي حركت المياه الآسنة بعد الركود الذي رافق  الشعر في الوطن العربي ؟
- الشعرية العراقية الحديثة كنز من كنوز الانسانية كلّها ، اليوم وبعد أن حصل ما حصل في الشعر العراقي منذ ستين عاما أرى أن هناك ظرورة شعرية حقيقية أظهرت لنا كل هذا الانتاج ولولا ديمومة الحراك الشعري منذ نهاية الاربعينات إلى يومنا هذا لما كنا حفلنا بكل هذا الانتاج الشعري المذهل . الثورة الشعرية في العراق هي واحدة من أكثر ثورات الشعر قوةً واصالة في الشعر الحديث لأنها انطوت على تجربة صراع حقيقية ، ولأنها جسّدت توقاً لحرية عميقة في الروح والفن . وصحيح أن الشعر العراقي جزءٌ من الشعر العربي الحديث لكّن له خصوصية نادرة فهو بالاضافة الى ريادته فانه ينطوي على خصائص اسلوبية ومضمونية خاصة به . كل شاعر متميز هو طريقة كاملة في الشعر . هناك اليوم ستة أجيال شعرية عراقية حديثة ( الرواد ، الخمسينيون ، الستينيون ، السبعينيون ، الثمانينيون ، التسعينيون ) كلّ جيل أنجزَ أنماطاً متفردة . وأزعم أن النقد العراقي كان عدواً للشعر العراقي فهو لم يتعب نفسه قط في فحص هذا التراث الشعري الهائل بل وقف معارضاً له في كثير من الأحيان . لو كان الامرُ بيدي لنشرت لكل شاعر عراقي حديث من هذه الاجيال شعره في مجلدات كاملة ولبيّنت صواب ما ذهب إليه . الشعر العراقي تناهبته الأهوال التي مرت على العراق مثلما تناهبت أهل العراق وماله وثرواته وأرضه وشعبه . دعنا نبكي على ما جرى ولكن اياك أو إيانا جميعاً نسيان ما أنتجته أرواحنا في سنين الصراع الدامي تلك .. علينا جميعاً أن نقف إجلالاً لكل الشعر العظيم الذي أنتجناه ونحن نمّر بعذاب الحروب والتهميش والجوع والحصار والثورات الفاشلة والخراب والمنافي والسلب والقتل والنهب والاحتلال والفساد والارهاب والديكتاتورية والطائفية . لقد كانت ألوان الحزن العراقي فريدة وقد صبغت شعرنا وحركت أرواحنا ، من جديد ، نحو المطلق الذي فينا أو في الاقاصي . ورغم المأساة على الأرض لكن النتائج كانت مدهشة على الشعر فقد ظهر تراث جديد زاخر يندر وجوده في عصرنا الحديث .
  
* هل كانت الأحداث الكبرى التي مررنا بها تكفي لانتاج شعر كهذا ؟
- لقد لعبناها جيداً ، لعبة الحداثة كتقنيات وأجناس جديدة. . ومرارة ما حصل لنا . هذه الخلطة الموفقة بين المادة والطريقة, بين الطين والقالب . كانت ماهرة حقاً . انظر الى الشعراء العراقيين جيداً وهم يتنافسون على الحديث في عزّ خرابهم الاجتماعي والسياسي . كانوا يحملون عدتهم وهم يقطرون دماً .. ويناورون بها في اتجاهات مختلفة مثل سلاح لا بد له من أن يعمل في ساعة خلاص .
  
* وهل نجحوا في ذلك ؟
- أيما نجاح .. لقد قدموا مذاقاً جديداً للشعر وكذلك مذاقاً جديداً للحياة عندما أجبروها على الاستجابة لهم . الجميع غفلوا عن التراجيديا الشعرية العراقية حتى زملاؤهم الشعراء العرب .. لكن الجميع سوف يفيقون ذات يوم على إنجاز بحجم الكارثة ما زال منثوراً هنا وهناك وفي الأدراج المقفلة ، في الإهمال والنسيان والمنافي والمقابر. سوف يظهر حجم الانجاز العراقي على حقيقته عندما نتخلى عن أنانيتنا ، نحن العراقيون ، ونجمع ما تساقط منّا من الجمال والألم ذات يوم .
  
*  الأُسطورة في شعر خزعل الماجدي ، دائماً حاضرة وبقوة ، ترى هل ان تواجدها نابع من كثرة قراءاتك في تاريخ العراق القديم والاديان ، خاصة وانك من الباحثين الذين رفدوا المكتبة العربية بالكثير من الكتب والبحوث التاريخية الخاصة بالعراق والبلاد العربية ؟ أ تعتقد أن أبحاثك وتعمقك الكبير فيها جعلت من الاسطورة شاخصة في دواوينك ؟ أم أنك تصنع الاسطورة بمهارة الشاعر ؟
- ما هي الاسطورة : إنها حكاية شعرية مقدسة ( عن إله ) تتحدث عن زمان ومكان بدئيين ( خارج التاريخ والعالم ) . والآن وبعد أن أختفت الآلهة ( وحلّ محلها إله واحد مفارق ) ، وبعد أن أصبح الانسان وجهاً لوجه أمام مصيره المحتوم وتفاصيل حياته الكثيرة ، وبعد أن اصبح الأمل في استعادة الزمان الإلهي البكوري عسيراً وأصبحنا نتقلب في طيّات تاريخ يصنعه الانسان لا الآلهة . وبعد أن تحول المكان الى جحيم ولم يعد هناك مكان بريء ومقدس . بعد كل هذا ماذا سنفعل بالأساطير ؟ ، لقد أصبحت عملياً غير نافعة لأنها تنطوي على تخليق أوهام تربك نظرتنا للحياة . ولذلك أقول لم يبق سوى الشعر مكاناً لها .. ولكنها نافرة لأن موضوعاتها ذات حصانة خاصة بها . ولذلك كان لابد من إجراء يضمن لنا فائدتها إذا دخلت الشعر . وأقولها بكل صراحة أن الجميع استعمل الأسطورة بطريقة ساذجة بل وبطريقة مباشرة وكولاجية ، وتحولت الاسطورة الى لافتة هي الأخرى ، نصلح بها أو نزين بها شعرنا . منذ السياب ومروراً بأدونيس وعبوراً نحو كل المحاولات الصغيرة للأجيال اللاحقة تحولت الاسطورة الى عكاز سهلٍ .
  
* كيف تعاملت أنت مع الاسطورة في شعرك ؟
- لقد فعلت ما يأتي: أولاً جعلت من المناخ الأسطوري مناخاً لشعري وبكلمة أخرى تخليت عن الاحداث والشخوص والحكاية في الاسطورة وجعلت من الشحنة التي تبعثها الأسطورة شحنة لشعري . لقد شحذت طاقة الاسطورة وليس تفاصيلها . ثانياً طحنت مادة الاسطورة وحولت طحينها الى غبار شعري ينتشرُ في مفاصل قصائدي ، ولذلك لن تعثر على هذا الغبار بسهولة ، ستشعر به لكن من الصعب التعرف إليه . ثالثاً رفعت الكثير من أحداث حياتي ، التي حولتها الى شعر ، الى مستوى اسطوري . اي انني رفعت الحدث العادي الى حدث اسطوري عن طريق تحويل الشعر الى اسطورة وليس العكس . خذ مثلاً مجاميع ( أناهيت ، خواتم الافعى ، حمام النساء في كركوك ، خيط العبور ، ركوكو .. الخ ) . ورابعاً جعلت من بكورية وبدئية الأحداث مادة لجمل ونصوص وقصائد تكوينية ( خليقية gensis  ) وبذلك صببت افتتاحيات التكوين الاسطورية في مفاصل شعري . وقد انتبه لهذا الإجراء الناقد ( ناظم عودة ) وأسماها ( الشكل التكويني ) وكانت انتباهته لافتة جداً . هذه الإجراءات وغيرها مما يصعب التنظير فيه كان كله بسبب ما اسميته أنت ( استغراقي في الاساطير ) وخصوصاً اساطير وادي الرافدين التي اعتبرها ( أم الاساطير ) في التاريخ . لقد تشربت الاساطير في روحي أولاً قبل أن احاول الاستفادة منها ولذلك تجدني أتعامل بها كاحدى مكوناتي الروحية قبل كل شيء .
  
* هل أنت صانع أساطير شعرية جديدة ؟
-   ربما .. ولكن دعني اقول لك انني أرى بأن ( الأسطورة ) في معناها القديم بنية شعرية جماعية نضحت من روح الجماعة و ( القصيدة / النص ) بنية شعرية فردية تنضح من روح الفرد المحتشد داخله بروح الجماعة عن طريق الرموز والأركيتايب ( النماذج البدئية ) . وهكذا أرى أن الشعر هو أسطورة فردية . في حين كانت الاسطورة شعراً جماعياً .
  
*لك تنظيرات كثيرة في الشعر ومراحله وتطوراته ، وقد اصدرت كتاباً في عام2004عن دار الشؤون الثقافية في بغداد عنوانه (العقل الشعري) كيف تحدثنا عن هذا الكتاب وعن الخلاصة التي خرجت فيها عن الشعرالعراقي؟    
-  ( النظرية الشعرية ) شيء مختلف كلياً عن ( النقد الشعري ) ولذلك جاء كتابي ( العقل الشعري ) كجزء من مسعى يحاول الدخول الى النظرية الشعرية . وقد صدر الكتاب بجزئين عام 2004 وهو أولاً يحاول أن يعيد ترتيب الشعر ونظرية الشعر بطريقة جديدة فهو يرى أنهما ( الشعر ونظريته ) جزء من العقل الشعري الذي هو العقل الأول في منظومة العقل الشعري المكون من أربعة عقول متداخلة ( الشعري ، الديني ، الفلسفي ، العلمي ) .  أرى أن العقل الشعري حاضر في حياة الانسان اليومية وهو المسؤول عن التعامل مع كل ما يخص الشعر والادب والفن ، إنه عقل لا يبحث عن الحقيقة ( كما في العقول الأخرى ) بل هو يكشف أغوار الانسان التي تميل نحو المدهش والجميل والغامض والغريب والشاذ . إنه عقل اندرج ، مع الاسف ، في هامش اهتمامات الانسان العادي لكنه ، كما أرى ، أهم من العقول الأخرى المكبلة بالأيديولوجيا أكثر منه . إنه العقل الذي يسبب الإبداع . لقد حاولت أن أرصد طبيعة وشكل وتكوين هذا العقل الشعري في كتابي هذا .
  
* تبدو فكرتك جديدة ومن الواضح تماماً أنك تحاول إعادة الاعتبار لـ ( عقل شعري ) أهمله حتى النقاد ؟
- بالضبط . الشعراء لاهون عن العقل الشعري بنصوصهم ولا وقت ولا مزاج لهم للتنقيب عن مصدر الشعرية وكيفية حصولها فالمهم عندهم نجاح نصوصهم . النقاد بعيدون عن هذا الموضوع ، الفلاسفة والعلماء والمؤمنون في عقولهم لا يبارحونها . لقد كانت أمامي فرصة نادرة للتنظير بهذا الاتجاه ثم حاولت فتح مغاليق كثيرة واكتشاف أرضٍ جديدة . وقد أعانتني معرفتي المتواضعة بما كان عليه الشعر في الحضارات القديمة بشكل خاص وكذلك ما فعلته الحداثة في الشعر من تحولات جذرية . واليوم أتطلع لإكمال أجزاء جديدة من العقل الشعري لأن هناك الكثير الذي اكتشفته لاحقاً ، وربما ستشهد الأعمال القادمة ظهور هذه الأجزاء وبظهورها يكون المشروع النظري قد انجز .

* في ظلّ الأحداث المرعبة التي عصفت بالعراق منذ عقود ، كيف ترى الخسارات المتتالية والفقدان والمنفى والهجرة التي كلها تضغط عليك كشاعر عراقي وجد نفسه خارج وطنه ؟
- تراجيديا العراق المعاصر سكنت أرواحنا وعقولنا منذ عرفنا أننا في هذا الوطن نعيش منذورين له ولا يعيش هو وثرواته منذوراً لنا ، وقد بدأت الخسارات منذ أصغينا لدويّ الثورات والشعارات الطنّانة وعندما تستّر النظام السابق بشعارات براقة رافقها عنف اجتماعي وسياسي أدركت أننا ذاهبون الى الهاوية . وهكذا انكشفت الأحداث عن قتل ونفي وتشريد وفقدان وهجرة وضياع . كل المعاني السلبية انطوت في بذرة بداية كانت ستينية الفضاء بعد سقوط الملكية وظهور الجمهورية ثم توالت عقود التراجيديا . لم يكن هناك عقلاءٌ ومفكرون وفلاسفة يحذروّن من عاصفة التراجيديا التي ستأكلنا جميعاً .. كان الكلّ يطبّل على طريقته .. حتى إذا ما بدأ الخراب هرب الجميع ولاذوا بالليبرالية والديمقراطية وتمجيد النظام الملكي ، اين كانوا ساعة قرع الطبول ؟ لقد خُدعنا غير مرة . كان الشعر عزائي الوحيد في هذه الخسارات ، لعلّه الوسيلة التي استطيعها لتسجيل هذه الغفلة وهذه الخديعة وهذا الخراب وهذا النفي . تمنيت أن أكون روائياً لأسجل برهافة ودقة مضمون ما حصل . لكن الشعر لا يتركني ابداً . أول كتاباتي الشعرية عن هذه الخسارات كانت في منتصف الثمانينات عندما كتبت مجموعة ( موسيقى لهدم البحر ) المنشورة في المجلد الثاني من أعمالي الشعرية والتي اكملتها في منتصف التسعينات ثم جاءت ( حيّة ودرج ) في عام 1993 . ثم فلم طويل جداً عام 2003 . واليوم أعمل بمشروع كبير هو "احزان السنة العراقية" وهواً يرصد ما حصل بعد عام 2003 ورعب الارهاب والدمار . وانت تعرف أن المنفى سوف يكون حاضراً بقوة رغم أني كنت ، عملياً ، خارج العراق منذ عام 1995 .
  
* في السنوات الاخيرة عزمت على جمع تجاربك الشعرية في قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر والنص المفتوح بمجلدات صدر الاول عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر وثمة مجلد ثان وثالث انجزته او رابع بعدها  ، نود أن تحدثنا عن هذه المؤلفات ،هل جمعت فيها خلاصة تجاربك الشعرية ؟ وهل رفضت نشر بعض القصائد التي تحس أنها لا تمثلك ، قد تكون كتبتها في بداياتك الاولى مثلاً ؟
- في عام 2001 صدر المجلد الاول من أعمالي الشعرية وضّم ست مجاميع من قصائد النثر وهي ( أطلس شرقي ، فيزياء مضادة ، قصائد الصورة ، أناهيت ، إسمعي رمادي .. إسمعي موسيقا الذهب ، مخطوطات غجرية ) مع مقدمة عن الشعر الشرقي .. وفي عام 2005 صدر المجلد الثاني وضمّ سبع مجاميع كان أغلبها من قصائد التفعيلة وهي ( يقظة دلمون ، أناشيد اسرافيل ، الياقوتات ، موسيقا لهدم البحر ، خواتم الأفعى ، وحيداً عند عمود السماء ، السومرية أحلام في اتضاح جحيمها وفراديسها العالية ) مع مقدمة عن السحري والايروسي في الشعر . . وفي عام 2008 صدر المجلد الثالث وضم ست مجاميع من النصوص المفتوحة وهي ( عكازة رامبو ، حية ودرج ، خيط العبور ، حمام النساء في كركوك ، ركوكو ، فلم طويل جداً ) مع مقدمة عن النص المفتوح .. وسوف يصدر في عامي 2009 و 2010 المجلدان الرابع والخامس ، وسوف يكون المجلد الرابع مكرساً ل ( خزائيل ) بكتبه الاثني عشر مع مقدمة عن الشعر الغنوصي . أما المجلد الخامس فسوف يكون ( أحزان السنة العراقية ) مع مقدمة عن الحوليات الشعرية . وهما تحت الطبع الآن . ولعلك تلاحظ بأنني أسير في خطوط منتظمة الاصدار كل نتاجي الشعري على وفق أجناسية خاصة بيّ . والحقيقة أن هذه المجلدات تضم كل شعري ولم اضطر لحذف شيء لأني اعتزّ بكل ما كتبت أما البدايات الأولى فقد أهملتها منذ صدور المجموعة الاولى ليّ ( يقظة دلمون ) فقد ضمت كل ما أخترته في السبعينات وبذلك اكون قد أهملت بعضاً من شعري لأنها ظهرت في 1980 . ومع صدور المجلد الخامس وربما السادس بعده أكون قد أكملت رسالتي الشعرية نصوصاً وبذلك يمكن الاطلاع على كل تجربتي في هذه المجلدات من دون شك .
  
* أنت الأغزر شعراً في جيلك وربما سوف تكون الاغزر شعراً في الشعر العراقي ، كيف تفسر غزارتك الشعرية ؟
- أنا لا اعيش إلاّ من أجل الشعر . أعيش الحياة بكل تفاصيلها ولكني لا أغفل عن الشعر أبداً . كلّ تفصيل في حياتي مضمّخ بالشعر ولعلك ترى هذه الفسيفساء الشعرية في مجلداتي وانا اليوم أكثر إصراراً على أن الشعر هو خلاصي الأول في هذا العالم لأني أجد فيه ذخيرة عمري كله . كتبتُ عن أفراحي وأتراحي وعن دواخلي وعن أساطيري وعن النساء اللائي عرفتهن وكتبت عن مأساتي وكتبت عن بلدي وعن روحي وعن جسدي وكتبت عن ضعفي وهيامي وعذابي وخوفي وشكوكي .. الشعر جمعني ككائن مصنوع من الكلمات ودونني في أديم الزمان . ولعل تفسير غزارتي أنني صاحب مشاريع شعرية لا صاحب قصائد أو مجاميع شعرية . أنا أدخل بين الحين والحين في مشروع شعري كبير يستغرق سنوات حتى يكتمل . والمهم ليس الغزارة بل المهم هو النوع الشعري واتمنى أن أكون قد نجحت في بعض قصائدي ونصوصي وقدمت شيئاً مفيداً للشعر والقارئ.
  
* ننتقل الآن من الشعر وشجونه الجميلة التي دائماً تمد الانسان بالقوة والصبر لتغيير أخطاء العالم الى تجربتك في المسرح ، أتعتقد أن الشاعر لابد له أن يخوض تجربة الكتابة المسرحية خاصة وأن غالبية الشعراء الكبار في العالم لهم تجارب كبيرة في المسرح ؟
- تجربتي في المسرح هي واحدة من اهم التجارب التي خضتها والتي اثرت ايجابياً في الشعر . المسرح هو أهم مخاصبة لشعري بعد الاسطورة واصبحت له طبقات جديدة . دخلت عناصر الحوار والدراما والواقع في شعري بعد أن خضت في المسرح . لا أعتقد أن على كل شاعر أن يخوض في المسرح ولكني أقول إذا كانت عند الشاعر حاجة للكتابة للمسرح فعليه أن يخوضها دون تردد وإذا وجد أنه قادر على تقديم شيء جديد للمسرح فعليه أن يستمر حتى يقدم ذلك الشيء .
  
* وهل قدّمت شيئاً للمسرح ؟ وما هو بالضبط ؟
- أعتقد ذلك ، لاني زاوجت بين تقاليد المسرح الحديث وتقاليد الشعر الحديث . لقد انتبهت الى أن ما عرفناه من ( المسرح الشعري ) في عصرنا العربي لم يتعد تلك المسرحيات المنظومة شعراً والتي كان ابرزها نماذج شوقي وصلاح عبد الصبور . وقد كنت أراها مملة بسبب النظم . ولذلك قررتُ معالجة ( المسرح الشعري ) بطريقة جذرية كان أساسها إلغاء النظم الشعري والاعتماد على المضمون الشعري والعناية بالحوار ذات الطبيعة الشعرية وإعلاء شأن المخيلة والعناية بالصورة وغيرها وأزعم أني وضعت أساساً جديداً لما يمكن أن يكون عليه ( المسرح الشعري الحديث ) الذي أراه واضحاً في أعمالي المسرحية .
  
* أعتقد أن المسرح العراقي يتفوق كثيراً على التلفزيون والسينما في العراق وله مكانة مرموقة داخل الوطن العربي ولطالما حصد الكثير من الجوائز في العديد من المهرجانات ، كيف تقوّمون الواقع المسرحي العراقي بعد الهجرة الكبيرة التي قوّضت مرافق الثقافة العراقية، ما أدى إلى شل الحركة المسرحية تماماً ، وما هي السبل الكفيلة للخروج من هذه الازمة الثقافية والتي هي واحدة من الكثير من أزمات الثقافة العراقية في ظل الاوضاع الراهنة ؟
- المسرح العراقي يقف في طليعة المسرح العربي ، وما زالت بذرته حيّة وقادرة على إثبات أعمال جديدة وكبيرة . المسرح العراقي يعاني في الداخل من الاجراءات الموضوعية والامكانات المادية ومن أخطاء إدارية كثيرة .. لكنه كفنٍ ما زال حياً ويمكن أن يستعيد عافيته بسرعة . المسرحيون الشباب هم مفتاح الحل في معالجة أزمة المسرح العراقي وبفتح الابواب لهم واعطائهم المجال يمكنهم أن يجددوا روح المسرح العراقي إنهم أمناء على المستوى الرفيع الذي كان المسرح العراقي يظهر به . لكني ، معى الأسف ، لمحت تعطيلاً لدورهم وتهميشاً لهم وأنا أدعو لرفع الحيف عنهم فهم ثروتنا الحقيقية . انا تماماً مع أن يعتمد المبدعون على أنفسهم في الانتاج ولكن ليس الآن بل في مستقبل قريب أو قادم ، أما الآن فيجب إيقاف الابداع على قدميه أولاً بدعم لا محدود من الدولة له. وحينما يتعافى ندعه يقف ويمشي ويركض وحده . هناك من يطالب المبدعين من الآن أن يصنعوا قطاعاً خاصاً لهم وألاّ يعتمدوا على دعم المؤسسات الحكومية . وينسون أننا في العراق المحطم المدمر الممزق الذي صُبت عليه كل آلآم السماء والأرض .. ينسون أن مثقفنا ما زال يخاف من ظله . يريدون أحلاماً وردية ونحن في التراب . البداية بالدعم المتواصل ثم التنظيم ثم الاعتماد على النفس . ويجب أن تقوم الدولة بفعل أساسي في البداية . وخصوصاً في قطّاع المسرح الذي يحتاج كثيراً الى مثل هذا الدعم . 
  
* ومن المسرح وهمومه المؤلمة نود أن تحدثنا عن الانعطافة التاريخة المهمة في حياتك انطلاقا من تاريخ العراق القديم وتاريخ الاديان ، كيف كانت قراءاتك الاولى للتاريخ القديم وبحثك الدؤوب في التنقيب عن الصغيرة والكبيرة لهذه الحضارة العظيمة التي لها الفضل الاول على البشرية في الكثير من مرافق الحياة ؟
- كانت ثقافة العراق القديم جزءاً مهماً من ثقافتي منذ السبعينات وكنت أجمع كل شاردة وواردة عن حضارة وادي الرافدين ، وبعد عشرين سنة من القراءة والتتبع وجدت نفسي أحفظ اسماء ونصوص واحداث ذلك التاريخ بسهولة ويسر . كنت اتحدث عن مائه من الآلهة السومرية مثلاً مثلما اتحدث عن الذكريات مع اصدقائي وكانت المدن واسماء الملوك والأحداث تجري على لساني بسهولة وعذوبة . في منتصف الثمانينات وجدت نفسي أكتب فصول كتاب جديد وغريب في الوقت نفسه اسمه ( سفر سومر ) نشرته على فصول في مجلة ( الاديب المعاصر ) التي كانت تصدر عن اتحاد الأدباء في العراق . ثم اصدرته في كتاب كامل عام 1990 وكان جمعاً منظماً وإعادة كتابة وشرح للأساطير السومرية . واذكر أن أدونيس أرسل لي رسالة تحثني على أن استمر في هذا المشروع لبقية حضارات العراق والمنطقة . وكتبت ( سفر بابل ) . لكّن الحدث الأهم في حياتي هو انني التحقت عام 1993 بمعهد التاريخ العربي للدراسات العليا وهو معهد تابع لجامعة الدول العربية ، ودرست التاريخ وأوليت تاريخ وحضارة وادي الرافدين اهتمامي الأكبر حتى كتبت اطروحة الدكتوراه عن ( الطب وعلاقته بالسحر والأسطورة والدين في وادي الرافدين ) واشرف عليّ الدكتور فوزي رشيد استاذ الكتابة المسمارية ومدير المتحف العراقي . وما أن تخرجت حتى طبعت الأطروحة بعنوان ( بخور الآلهة ) .. ثم وسّعت ( سفر سومر ) و ( سفر بابل ) وأضفت لهما مادة البحث الاكاديمي ونشرتهما تحت عنوانين جديدين هما : ( إنجيل سومر ) و ( إنجيل بابل ) .
  
* ولكنك واصلت مشروعاً كبيراً في تاريخ الاديان !؟
- نعم .. فقد اتفقت مع دار الشروق في عمّان على اصدار سلسلة كبيرة من الكتب تصل الى ( 30 ) كتاباً عن تاريخ وعلم الأديان وقد أصدرت منها إلى الآن عشرة كتب تقريباً وسأواصل المشروع . ولعله المشروع الاكبر في حياتي . والذي وسّعتُ فيه دائرة اهتماماتي خارج وادي الرافدين .
  
* وماذا عن مؤلفاتك في علم الأساطير ( الميثولوجيا ) ؟
- استمرت كتبي الأخرى خارج المشروع السابق فصدرت ليّ كتب كثيرة كان أغلبها في علم الأساطير ( الميثولوجيا ) . فقد أصابتني حمى البحث ولم أتوقف عنها إلى اليوم . أصبح مشروعي هذا جزءاً من روحي وعقلي وأنا اليوم به سعيد . لكن اهتمامي بتراث وحضارة وتاريخ وادي الرافدين يبقى هو الاساس لاني أشعر بالإقتراب من قاعي الروحيّ وهو ما يلامس شعري أيضاً وما أنهل منه في المسرح أحياناً .
  
* بعد وصولك الى العاصمة الاردنية عمّان أواخر عقد التسعينات من القرن الماضي ، أذكر جيداً أنك أعتكفت في غرفتك لشهور وأنجزت العديد من الكتب عن تاريخ العراق القديم والاديان ، هل كان تفرغك لهذا المشروع هو وضع اللمسات الاخيرة لمشروعات كانت مؤجلة فأنجزتها بعد أن تهيأ لك فضاء واسع من الحرية ؟
- بدأت بالتردد على ( عمّان ) بعد حرب الخليج الثانية ( 1991 ) . أما تنظيم النشر فيها فقد بدأ منذ عام 1995 ، وأنت تتحدث عن المرحلة التي كنت قد نشرت فيها الكثير من الكتب وواصلت عملي في هذه المرحلة بإنجاز كتب جديدة عندما أجّرت غرفة وبدأت أقضي ساعات طويلة في البحث عن المصادر في المكتبات والكتابة وتصحيح التنضيد والاشراف على الطباعة .. كانت أجمل سنين حياتي فقد انجزتُ تأليف ونشر ما يقرب من عشر كتب ما بين ( 1995 - 2000 ) رغم أني ذهبت الى ليبيا في نهاية عام 1998 للتدريس في جامعة درنة . لكن حماس النشر ظل يلازمني وما زال إلى الآن .

* وكم أصبح عدد كتبك في هذا الحقل ؟
- إثنان وعشرون كتاباً .

* وهل أثر هذا المناخ سلباً في شعرك ؟ هل تلمست جوهراً ما في اهتمامك بالحضارات والاديان والاساطير ؟
- بالتأكيد .. لقد نضح في روحي الكثير الكثير واصطبغت هذه الروح بألوان جديدة أراها اليوم مثل قوس قزح اتنقل بين ألوانها وبساتينها والتقط منها الكثير من الكنوز . دعني أقول لك أن اهتمامي بهذا الحقل كان مثل الموشور الذي عندما سقط عليه الشعر تحّول الى ألوان قزحية نادرة ، وقد صارت هذه الألوان فرشاتي في كتابة الشعر . كنتُ أقول دائماً أن كنوز الروح الكبرى تساقطت في حقل الاديان وها أنا أعيدها الى الشعر الذي هو أحق بها . لقد كانت استفادتي من هذا الحقل لا حدود لها وأنا اليوم أدين له بأغلب خبراتي الروحية خاصة . ثم لاحظ انني احتضنت بقلبي كل الأديان وأحببتها دون تمييز أو تعصب ووجدت فيها المحفزات الكبرى للتعرف إلى المطلق أو تأمله .

* ما هو جديد خزعل الماجدي في الشعر والتنظير والمسرح والأبحاث ، خاصة وانك تقيم منذ مدّة في مدينة أوروبية تمنحك فضاءات واسعة وتهيئ لك الاجواء الصافية التي يرغب فيها الكاتب دائماً لمواصلة مشروعاته المؤجلة أو التي كان يحلم بأنجازها ؟
- دعني اقول أولاً بأني خرجت من العراق عام 2006 جريحاً فقد خطف الارهابيون ولديّ البكر ، وكادت عائلتي تتمزق على أثر هذا الحادث لولا أني وقفت على اقدامي ووجدت لي ملاذاً آمناً . لن تصدق إذا قلتُ لك إن الكتابة كانت هي القوة التي جعلتني امتصّ ألمي وحزني وجعلتني أقف على أقدامي . كانت الكتابة مليئة بالدمع في انتظار أن يعود ولديّ .. وخصوصاً الشعر عزاءً حقيقياً وطاقة خلاّقة أعطتني الصبر والقوة ومكنتني من المقاومة . ولذلك ملأت وقتي هذا بالكتابة في مختلف الحقول . في الشعر أنا في صدد إنهاء أكبر مشروع شعري يجمع بين مأساتي ومأساة بلدي وبأثني عشر جزءاً اسميته ( أحزان السنة العراقية ) وسوف يصدر قريباً في مجلد شعريّ هو المجلد الخامس من أعمالي الشعرية ، وفي الشعر ايضاً سوف تظهر ليّ أعمال جديدة منها ( ربما .. من يدري ) و ( فلم طويل جداً ) و ( حينما ماء القلب ) .. وفي التنظير الشعري أسعى الى إكمال الجزء الثالث من ( العقل الشعري ) أما في المسرح فكتبت عملين مسرحيين هما ( نصب الحرية ) و ( نساء السواد ) ربما يظهر الأول منهما في وقت قريب على الخشبة . في الحضارات والأديان انجزت ( الميثولوجيا المندائية ) وأعمل على اللمسات الأخيرة لكتابي ( تأويل جلجامش ) وهو ترجمة جديدة لجلجامش وتفسير جديد لها . أعمل بكل هذه الكتب ليل نهار وعيناي مليئتان بالدموع في انتظار أن يعود لي ولديّ ...

الاثنين، 13 يونيو 2011

الشعر هو ابن الحرية البار



<> 
<> 
خزعل الماجدي: الشعر هو ابن الحرية البار

حاوره أسامة الشحماني:
 في مشاركته المتميزة بمهرجان المتنبي الشعري الثامن (الشعر والمسرح)، المهرجان السنوي الذي ينظمه المركز الثقافي العربي السويسري، كانت لنا مع الشاعر والمسرحي العراقي د. خزعل الماجدي فرصة الحوار في مدينة زيورخ / قاعة المركز الثقافي العربي السويسري. وقد سجل أجزاء من هذا الحوار الفنان التشكيلي العراقي سلام الشيخ، مسؤول القسم العربي في راديو لورا، وبثها مع مقاطع شعرية من نصوص الماجدي، قرأها الشاعر في أماسي المهرجان.
 - خزعل الماجدي قامة شعرية غزيرة العطاء، تجربة مسرحية مختلفة المعالم، عقل أكاديمي وباحث ممنهج ما انفك يجوب حقول فكر و إبداع متعددة يندر وجودها مجتمعة في مخيلة شاعر. د.خزعل، أيٌ هذه الإنشغالات المعرفية أقرب إليك؟ 

 الشعر هو مركز إهتماماتي وحول الشعر تدور هذه الحقول التي تساهم في تخصيب الشعر ويساهم الشعر في تخصيبها، وأنا لولا الشعر لأنفرط عقدي بسهولة لأنك تعرف إن الإهتمامات التي إنشغل بها شائكة ومتعددة ولكنَّ الشعر كان دائماً يمسك بهذا التعدد ويعطيه لوناً وسمة خاصة، فالشعر هو الأساس والشعر كما أراه وكما أفهمه ليس بالمعنى الحرفي الشائع وإلا لما ذهبت لهذه المناطق، الشعر عندي قضية أخرى أكبر من التوصيف التقليدي لها وأبعد من التوصيف الذي يمارس الآن في الكتابة الشعرية العربية، أبعد من هذا بكثير.

- الشعر إذاً هو النقطة المركزية التي يتمحور حولها الماجدي، أو التي تستقطب إليها دائرة معارفه لتشكل منطقته الأصيلة، ولا أريد هنا سبر أعماق ماهية الشعر لما في ذلك من سعة وشمول، ولكن أقول ماذا تعني مفردة شعر بالنسبة لك؟

 المفهوم التقليدي للشعر في الزمن القديم وحتى في الزمن المعاصر تقريباً هو جزء من الأدب وأنا ضد هذه الفكرة كلياً، أنا لا أقول إن الشعر جزءٌ من الأدب، الشعر كيان قائمٌ بذاته ربما يقع الأدب الى جواره أو ربما في منطقة مقابلة، الشعر نظامٌ معرفي روحي و جمالي متكامل ولكنه وللأسف لم يكتشف، فنحن مازلنا بصدد حفريات قد تؤدي فيما بعد كما أراها الى الوصول الى هذه النقطة، وسأضربُ لك أمثلة في هذا المجال، كان الشعر تابعاً للدين يوماً ما كان الشعر والشاعر جزءا يخدم الدين ويبرر للدين الكثير من الأمور، من الأناشيد الى التراتيل حتى الأسطورة هي جزء من الدين إذ لا يوجد دين في الأرض من دون إسطورة، والأسطورة كانت تؤدى في الغالب شعراً، فالشعر كان دائماً وسيلة من وسائل الدين ثمَّ أصبح الشعر فيما بعد تابعاً للسياسة ولذلك ترى الملوك والخلفاء والسلاطين قد جمَّلوا به حياتهم، جعلوه جزءا من مجالسهم، والشعراء إنسحبوا الى هذا الشرك الخطير جداً وظلَّ الشعر من وجهة نظري غير مكتشف الى أن أتى العصر الحديث ليضع الشعر في خطأ جديدٍ إذ جعله جرءاً من الأدب فأصبح الشعر والنقد والرواية والقصة القصيرة والنص المسرحي كلها منظومة واحدة وهنا وقع الخطأ. أنا في محاولتي أريد أن أخلص الشعر من أن يكون تابعاً لهذه الأنظمة التي لا تستوعب الشعر لأنه الروح المحركة لكل هذه الأنظمة ولكن هذا يجري بطريقة خفية وسرية أحياناً لا نراها بوضوح، حتى الشعراء لا يروها بوضوح كما هي لأن الأمور تلتبس في هذه المنطقة. محاولتي مع الشعر هي أن أخلصه من شرك الدين، السياسة، الأدب.

- طيب، الشعر إذاً مرَّ بكل هذه التحولات، من الفعل المقدس، وكيف كان الشاعر في عصور خلت يُعامل معاملة الشخصية الدينية المنشدة في معبد ما، ثمَّ تدرجتْ بالشعر سلسلة العُرى لتصل عروة السياسة، التي هي والى حدٍ ما ليست منفصلة تماماً في التاريخ عن البعد الديني، ليقرَ الشعر في العصر الحديث الى الإستقرار في خانة الأدب، ألا ترى الآن أنك، برفض ما استقر الشعر فيه في العصر الحديث من قاعدة نظرية، تريد العودة به الى مفهوم القدسية، أي الى منطقة كنت قد رفضتها سلفاً، هل الشعر فعل مقدس بالنسبة للماجدي، ولمَ؟ 


 أنت نصبت لي شركا جديدا في إطروحتك هذه، وهذا الشرك يكمن في أنك وضعت الشعر في المقدس وهو جوهر الديانات، أنا لا أنظر للشعر بوصفه فعلا مقدساً، لماذا؟ لأن المقدس مخيف والشعر إبن الحرية البار، الشعر هو الحرية وليس الخوف ولذلك أنا لا أريد أن أجعل من الشعر فعلاً مقدساً جديداً بالعكس بالضبط أنا أريد أن أجعل منه حرية تتحرر به أو من خلاله أرواحنا وعقولنا وحتى أجسادنا ومعرفتنا، الشعر يفعل هذا الفعل العظيم في الحقول التي يمخرها أو يجوس فيها يحرر كل التابوهات، إذاً الشعر ليس مقدساً ولا يذهب الى هذه المنطقة وأنا أريد أن أخلصه من المقدس ومن النفعي السياسي وأريد أن أخلصه من السطح الأدبي الذي تتناوب عليه أنواع الأدب، تخيل إنني وضعتُ نظاما للشعر ووجدته بالنسبة لي جنساً وليس نوعاً كما هو الحال في الأدب و أنواعه: القصة والرواية والنقد وغيرها، الشعر جنس أدبي و أنواعه يمكن أن نتحدث بها، على مستوى الشكل كقصائد النظم ـ وهنا أقول إن القصيدة هي نوع من أنواع الشعر وليس كله، هي شكل يكاد يكون حديثاً نسبياً بالنسبة للشعر ـ وهناك النص المفتوح، والملحمة كنوع عظيم من أنواع الشعر، وكذا الدراما الشعرية. أقول لك شيئاً وقد لا تصدق هذا النوع من الكلام، هناك العشرات لا بل المئات من الفنون الشعرية داخل الفنون الشعبية البسيطة التي يملكها كل شعب، أنواع غزيرة من الشعر وخذ الشعر الشعبي العراقي، بين الدارمي والأبوذية والزهيري وغيرها، إنه تركيب عجيب. وإذا أتينا الى الشعر الحديث فقد أنجز أشياء عظيمة جداً منها قصيدة النثر والنص المفتوح وستأتي أنواع أخرى. أنا أميل فعلاً الى أن يكون الشعر جنساً قائماً بحد ذاته وهذا الجنس يتضمن أنواع تاريخية وأخرى حديثة وحاولت جهد الإمكان في كتابي (العقل الشعري) أن أعطي لهذا المفهوم بعداً تنظيرياً.
- هل سينعكس هذا بالضرورة على مفهوم الريادة في الشعر الحديث؟ بمعنى ـ وعلى وفق ما حددته من هوية مفهوماتية للشعر ـ إن مفهوم الريادة ستكون له دلالة أخرى غير تلك التي تحدث عنها النقد على إختلاف مدارسه، أي إن تخليص الشعر من تبعاته التي أقحم فيها هو الريادة بالنسبة للماجدي، والتي لما تحدث بعد، على العكس منة مفهوم الريادة على مستويات الشكل والمضمون، والتي كانت حدثت؟

هذه إنتباهة ممتازة لأن هذا الكلام مؤكد، والحقيقة إن مفهومنا للشعر يجب أن يتغير، لأن المفهوم الشعبي للشعر هو الشيء الجميل الذي نتداوله و يأتي على شكل حكمة أو مثل أحياناً يسلينا أو يضحكنا، والمفهوم الآخر المقابل وضعه الأدب، وأنا في واحد من أعمالي الشعرية وضعتُ مقدمة صنفت فيها الشعراء الى ثلاثة:
1. الشاعر الفطري البسيط.
2. الشاعر حين ينتج أدباً.
3. الشاعر عندما يكون عارفاً أو بشكل أدق عرفانياً، وأسميه الشاعر الغنوصي أو العرفاني، وهنا ينفصل الشاعر عن الأديب كلياً ليكون عرفانياً كبيراً، وليس بالضرورة أن يكون هذا العرفاني ـ وهذا رد على ملاحظة سابقة لك ـ أن يكون جوهره مقدساً، ربما هو جوهرٌ آخر وهذا الجوهر علينا أن نشتغل عليه ونوضحه مع الزمن وأتمنى أن يكون هناك وقت لكي أظهر شغلي في هذا المجال، فلا أريد الكلام عن كل شيء في هذه العجالة.
- وماذا عن العراق القديم أو المثيولوجيا والتاريخ الرافدي كيف إنعكس كل هذا الإرث على منهجك البحثي والشعري؟

 أنا منذ زمن بعيد يتعدى مرحلة البحث المنظم، ربما يعود الى السبعينيات، وأنا مما يسمى بجيل السبعينيات في العراق، كنت مهتماً كثيراً بتاريخ حضارة وادي الرافدين وتحديداً الأساطير إذ إعتبرتها من الكنوز البشرية الغالية والنفيسة جداً لسبب بسيط وهو لأنها مثيولوجيا الأصول فهي تشكل شيئاً لا نظير له على الإطلاق عند الشعوب القديمة، لماذا؟ في البداية كنت متصلاً الى حدٍ ما ولا أقول مطلعاً على المثيولوجيا الإغريقية الشائعة كما تعرف في الكتب التي عرفناها أولاً، كنت أراها شيئاً جميلاً ولكن الهزة العظيمة التي حدثت لي هي عندما إطلعت على تراث بلدي، عندما عرفت إن المثيولوجيا السومرية ثمَّ البابلية والآرامية ثمَّ المندائية هي كنوز لا يتخيلها العقل، وسأقول لك شيئاً أرجوك أن تتذكره: المثيولوجيا الإغريقية والرومانية كتبها شعراء فيما بعد مثل هوميروس و فرجيل و أوفيد هؤلاء كتبوا المثيولوجيا عبر الإلياذة والأوديسة والإنيادة عند فرجيل، ونحن إعتبرناها مسلمة، و هكذا طبعا المسرحيات التي كتبها إسخليوس ويوربيدس قدمت شيئاً كبيراً من المثيولوجيا، إذاً الشعراء كتبوا المثيولوجيا الإغريقية. أما المثيولوجيا العراقية القديمة لم يقدمها الشعراء أو الأدباء إنما قدمتها الشعوب. كتبها الكهنة، نعم لا شك في ذلك، ولكنها ليس لها مؤلف، إنها أشبه بالماء المقطر الذي نضح من عقول وأجساد وأرواح هائمة وعظيمة ظلت تحفر لآلآف السنين لكي تنتج لنا هذه الخلاصة الطيبة، هذا المصل الهائل النقي الذي نشم رائحة التاريخ به، بينما المثيولوجيا الإغريقية كتبها أديب مثلنا ولذا فهي مليئة بالمجازات والأخيلة والصور المفبركة وهذا بالنسبة لي شيء مختلف كلياً ولذا فأنا حين أقرأ المثيولوجيا الإغريقية وكأني أقرأ لأديب إسمه جيمس جويس أو هيرمان هيسه، ولكني حين أقرأ المثيولوجيا السومرية أشعر أنني أقرأ رهبة روح شعب كامل ليس له مؤلف، أقرأ نضحاً من أرواح الناس من عباداتهم العميقة و من طقوسهم المخلصة، وقد دونها الكهنة على إنهم وسيلة للتدوين وهم ليسوا مؤلفين وهذا هو الفرق الذي فسر لي فيما بعد، لماذا كنوز وادي الرافدين هي الأطيب مذاقاً والأجمل والأرقى من الكنوز الإغريقية، هذه هي المفارقة، ولاحظ إن كل كنوز المناطق الأخرى حتى وادي النيل هي ليست بنضارة كنوز الرافدين مطلقاً، الكنوز التي ظهرت في الصين والهند أبداً ليست هكذا، لأن الكنوز الرافدية فيها نبض الناس، أرواحهم وعقولهم العابدة لسنوات طويلة جداً. حين إكتشفت هذه الكنوز أصبحتُ أمام خيارين: إما أن أعمل لها كولاجات مضحكة وبالتالي تصبح مثل خياطة مكشوفة الخيط وهنا لن يكون هناك سوى ترقيع للأشياء، وهذا وللأسف الشديد ما فعله أغلب الشعراء حين أخذوا اسماً أو موضوعة أو باعثاً إسطورياً وأدخلوه في قصائدهم، و ربما كنت قد إرتكبت حماقة كهذه في البداية ولكني بعد ذلك أدركت الخطأ الشنيع الذي كدت أن أنحدر فيه، أدركتُ أنَّ الطريقة الممتازة والرائعة لإدخال الأساطير أو لوجودها في الشعر والمسرح هو أن أتشرب أنا بروح الإسطورة، أتركها تتشرب في داخلي ثمَّ يخرج نضحها في النصوص، أي إنها تخرج بطريقة عفوية على شكل شحنات وليس على شكل كولاجات فالعبرة ليست في ذكر عشتار أو تموز، وليست في ذكر أن هناك عالم سفلي وهناك آلهة للطاعون والأوبئة والخصب، ليست هنا الغاية ـ وقد فعلها شعراء كبار في العراق بالمناسبة ـ لأن هذه الطريقة تفسد الموضوع. أو أن أترك روحي تتشرب بروح الإسطورة فإن هذه الروح ستقول، ويقيناً ستتسرب الى النص خيوطٌ وشحنات خفية تستبطن الإسطورة، وهذا ما فعلت ْ.
  - دعني أنتقل بك الى المسرح من زاوية إعادة هضم الإسطورة لتجديد بزوغها في النص الشعري، كما تفضلتْ، وهنا أود أن أسأل عن طبيعة بزوغها في نصك المسرحي، ألا ترى إنَّ نصاً مسرحياً بمستوى (حفلة الماس) والتي رأيتها أنا في بغداد في حينها، هو من النصوص الصادمة في تكوينها والتي قد تشكل غرابة عند المتلقي غير النخبوي؟

 موضوع الإسطورة داخل المسرح ولنقل أيضاً الإسطورة والشعر داخل المسرح موضوع شائك ومعقد وله آليات ليست بسيطة وإن بسطناها نقع في مشكلة لأننا عندما نعرض ملحمة كلكامش أو إسطورة الخليقة على المسرح كأننا لم نفعل شيء، وكأننا مسرحنا الإسطورة وعرفناها، وكأننا نريد التعريف بها كأي فعل دعائي، و ما الذي إستفدناه إذاً في صياغة المسرح الحديث؟ المشكلة هي ذاتها في العلاقة بين الإسطورة و الشعر، أنا أرى إن هناك إمكانية لإعطاء شحنة الإسطورة داخل المسرح بطريقة أخرى جديدة ومختلفة، ربما نشكل المضمون الإسطوري والمضمون الشعري روحاً خفية روحاً منتفضة داخل العمل المسرحي، وعلينا ألا نظهر ما هو خشن شعرياً أو إسطورياً داخل المسرح لأننا سنربك المتلقي سنجبره على أن يعترف لنا شكلياً فيقول لنا: نعم أنا شعرت بالإسطورة. على إن هذا ليس هو المطلوب، المطلوب هو أن تذوب الأسطورة والشعر داخل المسرح، لأن المسرح في الأخير يلزمنا بالحفاظ على هويته كمسرح، كجنس مختلف عن الشعر والإسطورة ولذا كنت أقول دائماً على الشاعر حين يذهب الى المسرح أن يخلع نعليه ويدخل المسرح، لأن عليه أن يحترم المسرح ولا يذهب إليه وكأنه متكبرٌ على المسرح، عليه أن يذهب إليه بمنتهى التواضع خافياً ما يشتغل به من أدوات، أي لا يقول أني ذاهب للمسرح لأثوره بهذه الأدوات الصارخة، أن يعطي المسرح نفساً شعرياً وإسطورياً أكثر مما أن ينظم المسرح شعراً، أو أن ينتج المسرح إسطورة، وهذا ما يرتبط بالكثير من الأعمال التي أنتجتها في محاولة لإنعاش الروح المسرحية التي ربما تكسد أو تسترخي أحياناً.
الشعر والإسطورة وسائل ممتازة لحفز وإستنهاض المسرح من جديد، وللأسف الشديد النموذج المعروف لإستعمال الشعر داخل المسرح نموذج غير ناجح ـ أنا أتحدث الآن عن الشعر العربي فما قدمه أحمد شوقي بالكثير من النجاح على ما يبدو في العشرينيات أو الثلاثينيات من القرن الماضي، وربما ما زالت تنتج لحد الآن أشياء من هذا القبيل، هو نموذج غير ناجح وقد أصبح محرجاً، لأنك حين تشاهد (قيس وليلى،روميو وجولييت،كيلوباترا) على المسرح تشاهد نظماً شعرياً لا غير، وقد لا تحتمله الذائقة أحياناً، ولذا توقف المسرح الشعري التقليدي عن النمو والإستمرار لأن هناك معوقاً إسمه النظم داخل المسرح، إذاً ماذا نفعل نحن المحبين للمسرح؟ أنا أعتقد أن هناك حلولاً وهذه الحلول تقع في أن نملك بصيرة ثاقبة وممتازة لسبر أغوار المشكلة ونستفيد من الثورة التي أحدثتها الأنواع الشعرية، كقصيدة النثر والنص المفتوح إذ من الممكن جداً أن يحدث هذا في المسرح أيضاً، فلم لا نقدم مسرحاً بمضمون شعري وليس بنظم شعري، بصورة ولغة شعرية، إن هناك حلولاً كثيرة ولكن علينا أن نحذر الإقحام لأنه سيخرب كل شيء لاسيما وإن المشاهد لحظة مشاهدة المسرحية يتحول الى كائن حساس جداً حيث يعيش الطقس المسرحي بمجرد إطفاء الإنارة وتركيز الضوء على الخشبة، يتحول من إنسان عادي يمشي في الشارع يأكل ويشرب الى إنسان إبن طقس وجو خاص، على إن هذا الطقس ليس دينياً وإنما هو طقس دنيوي جمالي، وهنا يقع السؤال: كيف ندخل الى هذا الطقس الجمالي شعراً وإسطورة بشفافية فنية تنعش هذا الراكد في المسرح؟ وهذه مشكلة لا أريد الحديث عنها الآن لأني لا أستطيع التعبير عنها، ولكني حاولت جهد الإمكان من خلال أعمالي المسرحية أن أقدم جهداً من هذا النوع وربما أكون قد نجحت أو أخفقت.
 -ولكن هذا الشاعر الذي تدعوه أو تحرضه على الدخول الى عوالم المسرح، هل يحتاج الى مخرج من نوع أو طراز خاص؟ لقد عمل الماجدي مع أساتذة كبار مثل صلاح القصب وفاضل خليل وغيرهم فهل هناك مخرج بميزات مختلفة هو الوحيد القادر على تقديم ذلك النص المختلف على خشبة المسرح؟ 

بالضبط وهذه إشارة بمنتهى الذكاء، بالتأكيد لن يتمكن من أن ينفذ هذا الموضوع إلا مخرج من طراز خاص لأن المخرج الذي يكون على دراية بعلاقة الشعر بالمسرح ستستجيب روحه لهذه الأشياء وستحفزه على إنتاج مسرح غير تقليدي، وربما أذهب بعيداً وأقول لك لابد لهذا المخرج من أن يحب الشعر أو حتى الشاعر، وهذه هي طبيعة علاقتي بصلاح القصب، فهو صديقي لسنوات طويلة جداً وكان يحرضني دائماً على الكتابة للمسرح، وكنت أرفض لسبب بسيط هو إني أخشى المسرح، أهابه، أدخله مرتجفاً ولذا لم أرد أن أدخل لهذا الطقس وقد أفسده أو قد أرتكب حماقة أنا في غنى عنها. صلاح القصب بحكم ما يملكه من طاقة جمالية خلاقة وعقل نظيف منظم هو الذي كسر حاجز الخوف عندي وأدخلني الى عالم المسرح وبدأتُ بعد ذلك أقول: يا إلهي لو لم أفعل هذا ما كانت حياتي الثقافية أو الأدبية فعلاً من دون شغلي المسرحي؟! ستكون خسارتي كبيرة، ولذلك أنا معك تماماً في أن يكون المخرج من طراز خاص متميز، مخرج يصلح لأن يشتغل بالروح الشعرية والإسطورية داخل المسرح.

- د. خزعل هل ترى أنَّ المسرح العراقي بخير، أو ما زال بخير على الرغم من كل ما مر به؟


المسرح العراقي هو من أغنى المسارح العربية يحتفظ بمكانة مرموقة جداً، ولا حرج أن أضعه في مقدمة المسارح العربية، على إنه وللأسف الشديد تعرض الى مشكلات كلها ترتبط بالسياسة والمال والتمويل، وأنت تعرف إن العرض المسرحي الآن يتم عادة في وقت متأخر وله طقوسه وناسه وهو جزء من التحضر، وكل هذا لا وجود له في العراق الآن فالمسرحيون هناك يتعرضون لمشكلات هائلة كثيرة جداً ويلجأون لوسائل بمنتهى الصعوبة للإستمرار في العمل، أنت تذكر حين كان المسرح العراقي ينمو ويتطور ويتخذ له هويته المميزة مستفيداً من الوسائل التقنية الحديثة ظهرت لنا حينها قصة مبتذلة إسمها المسرح التجاري الذي هبط بالمسرح الى القاع وشوه صورة المسرح في العراق، وهذا كما تعرف أنت بسبب وضع النظام السابق وسلسلة الحروب التي أراد فيها أن تكون هناك موازنة وترفيه، وكأن المسرح هو نكات وضحك وترفيه، وهذا طبعاً غير صحيح.
المسرحيون العراقيون هم الوحيدون الفقراء جداً الذين ليست لهم أية حرية أو رفاهية مادية، ترى كل واحدٍ منهم وقد عمل في المسرح زهاء ثلاثين سنة ولا يملك حتى بيت يأويه أو حتى ما يعينه على حياته، وهذه جريمة كبرى بحق هؤلاء المبدعين الرائعين، أنا أعتقد جازماً إن الجمرة المتوقدة في المسرح العراقي مازالت موجودة ولا سيما بيد الشباب فالجيل السابق يشكر على ما قدمه من أشياء عظيمة ولكنه لا يمكن أن يواكب الآن ما يحدث في المسرح العالمي، الشباب في العراق يمتلكون هذه الجمرة بأيديهم وهم في أي لحظة قادرون على أن يعيدوا المسرح العراقي الى نضارته، على أن يأججوا حرائق جديدة في المسرح العراقي والعربي ونحن ننتظر منهم هذا مع الزمن فقد رأيتهم في العراق، إنهم أجيال كاملة شبان بأعمار العشرين ينهمكون بجدل المسرح وهؤلاء ثروة لابد أن نحافظ عليها ونجعل من كل واحد فيها مدرسة كاملة. أنا أعرف عمق مواهب العراقيين لأني رأيتُ مواهب غيرهم كم هي بسيطة وعادية ولا أهمية لها كالموهبة العراقية التي تسطع مثل الشمس لأنها نادرة ومتميزة، نعم يا أخي لدينا مواهب واضحة قوية وكبيرة يمثلها شبان بسطاء جداً نحن نراهم وكأننا لا نثق بهم وهم أهل لهذه الثقة، العراق مكتنز بهؤلاء الموهوبين من مسرحيين و شعراء و نقاد و روائيين و موسيقيين... شيء لا يصدقه العقل، إنهم ثروة العراق الحقيقية، نعم هم وليس النفط، ثروة العراق هي الإبداع والثقافة هذه الثروة التي يجب أن نرعاها ويجب أن يتميز بها العراق فبها سيكون العراق قادرا على أن يستوعب المنطقة بكاملها ويقدم لها ثراءً جمالياً وفنياً هائلاً، ولكن للأسف من يفهم هذا؟ من يفهم؟ السياسيون الجالسون في البلد عليهم أن ينتبهوا الى إن جعجعة السلاح وسرقة المال والركض وراء الكراسي هو ليس الحقيقة الوحيدة في العراق، لأن هذا عيب، يكفي، لقد وصلنا الى حد الموت في هذا الموضوع، عليهم أن ينتبهوا الى إن هناك شعباً مبدعاً هم يحكموه وعليهم أن يفجروا طاقات هذا الشعب من جديد ليعلن عن نفسه (وادي رافدين) يحمل راية الإبداع العالمي كله. السياسيون يجب أن يعوا التراث العراقي والثقافة العراقية، أنا لا أفهم ما الذي ستخسره الدولة العراقية لو عملت لكل فنان عراقي ألبوماً خاصاً به يضم كل نتاجه ورؤياه، يضم ما قام به على مر السنوات، لم لا تفعل هذا؟ أنا لا أفهم !

الأحد، 12 يونيو 2011

الحب هو أعظم أسطورة شخصية ، وكذلك انتظار الموت...


الشاعر خزعل الماجدي:الحب هو أعظم أسطورة شخصية ، وكذلك انتظار الموت...
أجرى الحوار: سردار زنكنة
 (آكانيوز)-يشير الشاعرالعراقي المغترب خزعل الماجدي الى أن ما نحتاجه في السياسة هوالعقلانية،لأن السياسة عندنا مازلت هي فن المشاعروالعواطف،لافتاً الى أن العراق منذ أن اخترقته الأحزاب الشمولية الأصولية (الماركسية والقومية والإسلامية) تحطمت أركانه وتهدم مجتمعه،ودعا الماجدي الى فصل المقدس عن الدنيوي والإهتمام بالدنيوي وبناء أركانه العلمية الرصينة،وجعل المقدس أوالديني شأناً شخصياَ لا شأناَ عاماَ ،مؤكداً على أننا مازلنا غيرمهيئين للدخول في التاريخ الحديث الذي حول السياسة الى علوم متخصصة،وكشف في متن نص الحوارالآتي الذي أجراه معه مراسل وكالة كردستان للأنباء( آكانيوز)ان الأديولوجيات السياسية لم تجذبه وكان يعمل على بلورة  مشروعه الثقافي أولاً ويساهم في تأسيس جيل شعري جديد هو (جيل السبعينيات) زاعماً انه ،مع نخبةٍ ممتازة من شعراء الجيل،أنقذوا مشروع جيل السبعينيات من التسييس ومصادرة السلطة أو المعارضة له .
*(سلالـةٌ من الأمراء الذين أزاحوا الغشاءَ وتقدموا نحو مصائرِهم يفتحون أكثر من فجر لكن نهارَهم القادمَ مدمّى لماذا؟ شطيـط نهـرٌ أعمـى له بصيرة الخفاء خلاصةُ تاريخٍ فَسُدَ بأيدي الطغاة، حنّ للفجر لكنه تعثّر واحترق، حنّ لأن يكون نهراً له قدمان وكفّان وعينان لكنه تعثّرَ بين الصرائف وبيوت الطين ورآه الفقراءُ مثل قتيلٍ، ابتكروا له شعلةً وجدائلَ من فحمٍ وقمّطوه).يحيل هذا المقطع الشعري،كما يبدو في جو النص العام،الى ذاكرة مكانين واحداث ومخلوقات اجتماعية بعينها :نهر شطيط  والفقراء النازحين على ضفافه،وثانوية قتيبة في مدينة الثورة فيما بعد من اول قيامها وتكوينها..هنا عودة لامراء رفقتك واشارة الى مستقبل دامٍ يحيل البلاد الى حرائق ورماد وركام..الى متى يستمر هذا المصير والبلاء؟
ـ ما نحتاجه في السياسة هو العقلانية،لكن السياسة عندنا مازلت هي فن المشاعر والعواطف . أنا أعتقد أن السياسة علم يديره العلماء والمختصون والخبراء وليس القادة الشعبيون والفلاحون والعمال . السياسة عندنا يأتيها العاطلون عن العمل والذين يودون الهرب من مستوياتهم الاجتماعية البسيطة لكي يجعلوا منها سلماً للصعود والتحكم بالآخرين.ان تاريخنا غاطسُ في العواطف والمشاعرالدينية والقومية والعشائرية والفئوية، وما زلنا غير مهيئين للدخول في التاريخ الحديث الذي حول السياسة الى علوم متخصصة ، بل حول الحياة كلها الى علوم تعيد بناء العالم الذي كان ساذجاً وغارقاً في المرحلة اللاهوتية .في الحقيقة نحن مازلنا في التاريخ الوسيط وستتكرر فجائعنا إذا لم نشرع بالدخول الى التاريخ الحديث ثم المعاصر بشروطه وقوانينه المعروفة .
*ماهي هذه الشروط والقوانين ؟
-فصل المقدس عن الدنيوي والإهتمام بالدنيوي وبناء أركانه العلمية الرصينة ، وجعل المقدس أو الديني شأناً شخصياَ لا شأناَ عاماَ . ثم  بناء وتطبيق القانون الوضعي الصارم الذي يحاسب المجرمين والخارجين عن القانون واللصوص والقتلة . ثم الإهتمام بالتعليم والعلم  قبل كل شيئ واحترام حقوق الإنسان والديمقراطية الليبرالية وتداول السلطة سلمياّ .
*بلا ريب كان للمدينة ،المكان/الثورة وثانويتها الشهيرة (قتيبة)التي شهدت مطلع السبعينيات تنافساً بين منظمتين طلابيتين ،شيوعية وبعيثة ،سنينئذ تاثير بالغ الاهمية على مرجعيتك الثقافية والفكرية ،بل حتى الاجتماعية ،ما اهم محطات تلك المرحلة في حياتك؟

ـ كنت ومازلت أحتقر السياسة وأكره الأحزاب وخصوصاً في بلادنا ، وقد نأيت بنفسي عن جعجعتها منذ صباي والى الآن وهذا ما أعتز به .في ثانوية قتيبة لم أكن أميل الى أية جهة سياسية ولم تؤثر بي أفكارها ولا مطاحناتها الفارغة  ، كنت في تلك المرحلة منصرفاً لبناء ذاتي علمياً وثقافيا،وكنت من عائلة فقيرة،متيقناً أن خلاصي من الفقر والحياة المحدودة اجتماعيا ًيتم عن طريق الدراسة والعلم لاعن طريق الأحزاب والسياسة ،فقد كنت أريد أن أكون إنساناً  متعلماً ولم أرغب في أن أكون بطلاً أو شهيداً .

*وفي مطلع السبعينيات أيضاَ ..كان الشعراء تتجاذبهما أيديولوجيتان معروفتان،وحسب عدد من الشعراء عليهما؟ برأيك الى أي مدى استطاع بعض الشعراء ان يتحرروا منهما لصالح مشروعهم الشعري الابداعي ؟ واين كنت تقف من ذلك التجاذب؟

ـ كما قلت لك لم تجذبني الأديولوجيات السياسية وكنت أعمل على بلورة  مشروعي الثقافي أولاً وأساهم في تأسيس جيل شعري جديد هو (جيل السبعينات ) وأزعم أني ،مع نخبةٍ ممتازة من شعراء الجيل،  أنقذنا مشروع جيل السبعينات من التسييس ومصادرة السلطة أو المعارضة له .

*ثمة عدد من الشعراء العراقيين وظفوا الاسطورة، في بعض قصائدهم الشعرية،لكنك تناولت في قسم من بحوثك ومؤلفاتك الاسطورة من وجهة نظر بحثية أكاديمية ..أين نصيبها في منجزك الشعري او المسرحي؟

ـ بدأت الإهتمام بالإسطورة أولاً من خلال الشعر وليس من خلال الدراسات والبحوث التي كتبتها ، فقد كانت أول مجموعاتي الشعرية محتشدةَ بمحاولات التماس مع الأسطورة  وعناوينها دليل على ذلك (يقظة دلمون ، أناشيد إسراقيل ، خزائيل .....الخ )وحتى مسرحياتي كانت قد سبقت بحوثي الأكاديمية في الأسطورة وتاريخ الأديان ثم رافقتها .
استعملت الأسطورة في الشعر والمسرح بطريقة جديدة تماماً ، فقد ذابت مادتها كلياً في النسيج الإبداعي للقصيدة أو النص أو المسرحية ولم تعد كولاجاً أو لافتةً أو استهلاكاً  كما كان يفعل الشعراء قبلي .
الشاعر ، عندي ، صانع أساطير شخصية . والأساطير العامة ، التي هي ملك المخزون الجمعي للناس،   تحاول أن تضع الإطار العام للإسطورة الشخصية  أما المادة التفصيلية فهي أسطورة الشاعر الشخصية .

* وماهي (الأسطورة الشخصية ) ؟
ـ الحب هو أعظم أسطورة شخصية ، وكذلك انتظار الموت . وهناك الألم والمغاور العرفانية للروح ، هناك المثل الخاصة ، هناك الميول الشاردة والنادرة للشاعر . المهم هو أن نصنع منظومةَ متجانسة من الأساطير التي يصنعها الشعر أو يراها في أهل عصره ، فحين يحول الشاعر  حياته وتكوينه من الحياة الى الكتابة وحين يصهر كل جنونه ورغباته وألمه ومخاضه اليومي في سبيكة متناغمة اسمها نصوصه الشعرية فإن أسطورته تتكون ، ولذلك تكون الأسطورة الشخصية مزيجاً من الحياة والكتابة اللتين تتعانقان لخلق ملحمة الإنسان البسيط أو الخاص ، لافرق ، كانت الأسطورة الشخصية هاجسي ومازالت .
الشاعر الذي يخفق في رفع حياته من المجرى العام الى مستوى الأسطورة الشخصية شاعر فاشل.

*جيل السبيعنيات الشعري ، ان كنت ممن يؤمنون بفكرة التجييل،ملتبس ،ومثير،ومتنكر لوصايا الجيل السابق ..لكن الاحداث والهزات الكبيرة ،شتت اصواته ومزقت أحلامه ..هل كان يؤسس لمشروعه الشعري ؟وهل أُنصف نقدياً؟

ـ كل جيلٍ شعري يبدأ متراصّاً قوياً  مضاداً محتدماً .. ثم يتفرق شعراؤه ، فمنهم من يهبط الى الأسفل معلناً انسحابه أو توقفه  ، ومنهم من يبقى مستمراً (ولكن بشكل فردي ) ، وهذا قانون عام لحركة الأجيال الأدبية ، فقد حصل مع جيل الخمسينات والستينات والسبعينات والثمانينات .، بنفس الطريقة رغم تفاوت الأحدات وتباعدها النسبي .
وأنا مع الحديث عن بداية أي جيل في شروعها الأول فقط وعلى مايقرب من عقد واحد  أما بعد ذلك فلكل شاعر خصوصيته بعيداً عن ماكان يفعله جيله أو ماسيفعله شعراؤه فرادى ، أو ماتفعله الأجيال الأخرى .ان التجييل نوعٌ من محاولة الظهور اللافت ومحاولة لقطع الطريق على جيل سابق مهيمن  والمجيئ بإضافةٍ جديدةٍ سرعان ماتنتهي كفكرةٍ جماعيةٍ ثم يبدأ شعراؤها كأفرادٍ بعدها وليس كموقعي عقـد أو بيان .ومنذ جيل السبعينات توقف الناقد العراقي عن فحص الجديد في الشعر العراقي ،وسبب هذا يعود ، ببساطة ، الى أن أغلب النقاد هم من الستينيين الذين احتفوا  بالمنجز الستيني أولاً ثم عادوا للأسماء المكرسة قي الخمسينات لكنهم لم يفحصوا ماجاءت به الأجيال الأخرى، وهذه أخطر عيوب النقد العراقي . لقد أفسد النقاد الستينيون المشهد بانحيازهم هذا، وحين جاء النقاد السبعينيون  ثم الثمانينيون انشغلوا بنظريات النقد الجديدة وتركوا أمر الشعر العراقي .
هذا هو عيب النقاد العراقيين وهذا هو فشلهم .

 الشاعر الراحل رعد عبد القادر أسكت قلبه الخوف والرعب من السلطة ،و كمال سبتي توقف قلبه في المنفى ، وزاهر الجيزاني عاد من منفاه الاميركي لائذاً بالرمضاء، فيما سلام كاظم هو الاخريلفه الصمت في المنفى،  والماجدي بعد سنوات من الصبر والابداع ينضاف الى قائمة أسماء شعرية عراقية اخرى تعيش تحت سماء المنافي والمهاجر القصية، برأيك لم هذا الشتات الشعري العراقي الخاص بامتياز؟

ـ  لم يبدأ منفاي الآن ، بدأت منفاي  بعد منتصف  التسعينيات عندما أقمت في الأردن  ثم غادرت الى ليبيا نهائيا عام 1998 وبقيت هناك  خمس سنوات متصلة  ، وعدت بعد سقوط النظام السابق في آب 2003 . أما المنفى الأخير لي في هولندا فقد  بدأ بعد منتصف 2006.في الحقيقة أنا نادم على أني بدأت منفاي في منتصف التسعينيات ، كان يجب أن يكون في منتصف السبعينات ، فهذه الأوطان لاتعبأ بناسها وأهلها وعلى الإنسان أن يتدبر  مصيره بعيداً عنها لأنها لاتمنح الأنسان  البسيط حريته وحقوقه وكرامته فكيف إذا كان هذا الإنسان طموحاً وساعياً الى التغيير في مجتمعه .العراق منذ أن اخترقته الأحزاب الشمولية الأصولية (الماركسيةوالقومية والإسلامية) تحطمت أركانه وتهدم مجتمعه ، وهاهي النتيجة أمامنا . الأوطان تبنى بالعلم والحرية وليس بالأحزاب الشمولية وبرامجها الثورية المدمرة .

•منجزاتك الشعرية والمسرحية والفكرية تسجل انتاجاً يوماً بعد آخر،هل يمكن لنا أن نتعرف على قائمة نتاجاتك المتنوعة الغزيرة ؟

-في الشعر أصدرت ثلاثة مجلدات (الأعمال الشعرية ) التي تضم 20 مجموعة شعرية أضافة الى مجلد رابع  بعنوان ( أحزان السنة العراقية )  وهو عمل ملحمي عن خراب وأوجاع العراق ودماره ودما أهله .
في نظرية الشعر : أصدرت( العقل الشعري) بجزئين
في المسرح عرضت لي 15 مسرحية  في المسارح العراقية والعربية ، وأصدرت ثلاثة كتب مسرحية آخرها المجلد الأول من ( الأعمال المسرحية )  وأهيئ اللآن للمجلد الثاني  للنشر .
في المثولوجيا وتاريخ وعلم الأديان والحضارات  نشرت 25 كتاباً فكرياً وهناك كتب جديدة ستظهر قريباً .

•كيف تفسر هذا الإنجاز الغزير؟

ـ كما قلت لك ، لقد نأيت بنفسي عن كل ما يلوثني ويلهيني  كشاعر وكاتب حر مثل السياسة والمناصب والمال والمشاغل الأخرى وكرّست حياتني للكتابة ولكي أوصل ما أفكر به .ثم أني  حريص جدا في عدم إضاعة وقتي وتنفيذ خططي الصارمة في المكتابة والتأليف . حتى الصحافة والنشر فيها لايغريني ولا أسمح له أن يسرق وقتي.
الكتابة تحررني من الخوف والألم والذكريات المرة والمرض والشيخوخة ،إنها وجودي الحقيقي.

*حلم شعري لم يتحقق للماجدي الى الان؟

-جزء مهم من حلمي الشعري تحقق في ماكتبت ، ومازلت أحلم بالوصول الى حالة ٍ من الصفاء الروحي والجمالي . ربما أحلم أن أتأمل العالم دون كتابةٍ .. وأن أصغي لأعماقي القصية وهي تبوح لي .

* تقول: لقد ذهبوا مبكرين وتركوني وحيداً /رغم أن لي عزلةً وبيتاً وزوجةً ومشاغل ومبالغات ومقهى ومنفى وأعمالاً وبستاناً /لكني أقفُ أمام المستحيل /وغالباً ما أبكي.من خلال هذا الاختزال الشعري... كيف تنظر الى مستقبل البلاد؟

-لست متفائلاً..  لأن من يسيطر على البلاد الآن من الساسة غير ناضجين ويغلبون مصالحهم الخاصة والفئوية الضيقة على  بناء البلاد ، بل صار واضحاَ لنا أنهم لايلايدون بناء البلاد أو الإنسان لأن ذلك يهدد وجودهم ، ولأن هناك قطّاعات واسعة من الناس مازالت تعيش في الجهل  ، ولأن التعليم في العراق متدهور والعلم ثانوي جداً . كل هذا سيكرر الأزمات مجدداً ودون نهاية.
08/08/2010